تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب * بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون * وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا إن هذا إلا سحر مبين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون * قل نعم
شرح
فلذلك قيل ( فاستفتهم ) أي استخبرهم ( أهم أشد خلقا ) ولم يقل فقررهم والضمير لمشركي مكة . قيل نزلت في أبي الأشد بن كلدة وكنى لذلك لشدة بطشه وقوته ( أم من خلقنا ) يريد ما ذكر من خلائقه من الملائكة والسماوات والأرض والمشارق والكواكب والشهب الثواقب والشياطين المردة ، وغلب أولى العقل على غيرهم فقال من خلقنا ، والدليل عليه قوله بعد عد هذه الأشياء - فاستفتهم أهم أشد خلقنا أم من خلقنا - بالفاء المعقبة ، وقوله أم من خلقنا مطلقا من غير تقييد بالبيان اكتفاء ببيان ما تقدمه كأنه قال : خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق وبدائعه ، فاستفتهم أهم أشد خلقا أم الذي خلقناه من ذلك ويقطع به قراءة من قرأ أم من عددنا بالتخفيف والتشديد . وأشد خلقا يحتمل أقوى خلقا من قولهم شديد الخلق وفي خلقه شدة وأصعب خلقا وأشقه على معنى الرد لانكارهم البعث والنشأة الأخرى ، وأن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر عليه أهون . وخلقهم ( من طين لازب ) إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة لان ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة ، أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب ، فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله حيث قالوا - أئذا كنا ترابا - وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث . وقيل من خلقنا من الأمم الماضية وليس هذا القول بملائم . وقرئ لازم ولاتب والمعنى واحد . والثاقب : الشديد الإضاءة ( بل عجبت ) من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة ( و ) هم ( يسخرون ) منك ومن تعجبك ومما تريهم من آثار قدرة الله ، أو من إنكارهم البعث وهم يسخرون من أمر البعث ، وقرئ بضم التاء : أي بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني عجبت منها فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون من آياتي ، أو عجبت من أن ينكروا البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصف الله بالقدرة عليه . فإن قلت : كيف يجوز العجب على الله تعالى وإنما هو روعة تعترى الانسان عند استعظامه الشئ ، والله تعالى لا يجوز عليه الروعة ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يجرد العجب لمعنى الاستعظام ، والثاني أن يتخيل العجب ويفرض ، وقد جاء في الحديث " عجب ربكم من إلكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم " وكان شريح يقرأ بالفتح ويقول : إن الله لا يعجب من شئ وإنما يعجب من لا يعلم فقال إبراهيم النخعي : إن شريحا كان يعجبه علمه وعبد الله أعلم ، يريد عبد الله بن مسعود وكان يقرأ بالضم وقيل معناه : قل يا محمد بل عجبت ( وإذا ذكروا ) ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشئ لا يتعظون به ( وإذا رأوا آية ) من آيات الله البينة كانشقاق القمر ونحوه ( يستسخرون ) يبالغون في السخرية أو يستدعى بعضهم من بعض أن يسخر منها ( وآباؤنا ) معطوف على محل إن واسمها ، أو على الضمير في مبعوثون والذي جوز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفهام ، والمعنى : أيبعث أيضا آباؤنا على زيادة الاستبعاد : يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد وأبطل ، وقرئ أو آباؤنا ( قل نعم ) وقرئ نعم بكسر العين وهما لغتان وقرئ قال نعم : أي الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم ،