تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
وأنتم داخرون * فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون * وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين * هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم * وقفوهم إنهم مسؤولون * ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين
شرح
والمعنى : نعم تبعثون ( وأنتم داخرون ) صاغرون ( فإنما ) جواب شرط مقدر تقديره إذا كان ذلك فما ( هي ) إلا ( زجرة واحدة ) وهي لا ترجع إلى شئ إنما هي مبهمة موضحها خبرها ، ويجوز فإنما البعثة زجرة واحدة وهي النفخة الثانية والزجرة الصحيحة من قولك : زجر الراعي الإبل أو الغنم إذا صاح عليها فريعت لصوته ومنه قوله : زجر أبي عروة السباع إذا * أشفق أن يختلطن بالغنم يريد تصويته بها ( فإذا هم ) أحياء بصراء ( ينظرون ) يحتمل أن يكون ( هذا يوم الدين ) إلى قوله : احشروا من كلام الكفرة بعضهم مع بعض وأن يكون من كلام الملائكة لهم ، وأن يكون يا ويلنا هذا يوم الدين كلام الكفرة ، و ( هذا يوم الفصل ) من كلام الملائكة جوابا لهم ، ويوم الدين اليوم الذي ندان فيه : أي نجازى بأعمالنا ، ويوم الفصل يوم القضاء ، والفرق بين فرق الهدى والضلالة ( احشروا ) خطاب الله للملائكة أو خطاب بعضهم مع بعض ( وأزواجهم ) وضرباءهم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم نظراؤهم وأشباههم من العصاة أهل الزنا مع أهل الزنا وأهل السرقة مع أهل السرقة ، وقيل قرناؤهم من الشياطين ، وقيل نساؤهم اللاتي على دينهم ( فاهدوهم ) فعرفوهم طريق النار حتى يسلكوها . هذا تهكم بهم وتوبيخ لهم بالعجز عن التناصر بعد ما كانوا على خلاف ذلك في الدنيا متعاضدين متناصرين ( بل هم اليوم مستسلمون ) قد أسلم بعضهم بعضا وخذله عن عجز فكلهم مستسلم غير منتصر . وقرئ لا تتناصرون بالادغام . اليمين لما كانت أشرف العضوين وأمتنهما وكانوا يتيمنون بها فبها يصافحون ويماسحون ويناولون ويتناولون ويزاولون أكثر الأمور ويتشاءمون بالشمال ولذلك سموها الشؤمى كما سموا أختها اليمنى ، وتيمنوا بالسانح وتطيروا بالبارح ، وكان الأعسر معيبا عندهم ، وعضدت الشريعة ذلك فأمرت بمباشرة أفاضل الأمور باليمين وأراذلها بالشمال ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شئ ، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيئات ، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه والمسئ أن يؤتاه بشماله ، استعيرت لجهة الخير وجانبه فقيل : أتاه عن اليمين : أي من قبل الخير وناحيته فصده عنه وأضله . وجاء في بعض التفاسير : من أتاه الشيطان من جهة اليمين أتاه من قبل الدين فليس عليه الحق ، ومن أتاه من جهة الشمال أتاه من قبل الشهوات ، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب ، ومن أتاه من خلفه خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده فلم يصل رحما ولم يؤد زكاة . فإن قلت : قولهم أتاه من جهة الخير وناحيته مجاز في نفسه ، فكيف جعلت اليمين مجازا عن المجاز ؟ قلت : من المجاز ما غلب في الاستعمال