يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم . وإن هذه
أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون . فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما
لديهم فرحون . فذرهم في غمرتهم حتى حين . أيحسبون أنما نمدهم به من مال
وبنين .
شرح
المستقر من أرض مستوية منبسطة . وعن قتادة : ذات ثمار وماء ، يعنى أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها ،
والمعين : الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض وقد اختلف في زيادة ميمه وأصالته ، فوجه من جعله مفعولا
أنه مدرك بالعين لظهوره من عانه إذا أدركه بعينه نحو ركبه إذا ضربه بركبته ، ووجه من جعله فعيلا أنه نفاع
بظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة . هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما ، وكيف والرسل إنما أرسلوا
متفرقين في أزمنة مختلفة ، وإنما المعنى : الاعلام بأن كل رسول في زمانه نودي لذلك ووصى به ليعتقد السامع أن
أمرا نودي له جميع الرسل ووصوا به حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه . والمراد بالطيبات ما حل وطاب . وقيل
طيبات الرزق : حلال ، وصاف ، وقوام . فالحلال الذي لا يعصى الله فيه ، والصافي الذي لا ينسى الله فيه ،
والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل . أو أريد ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه : ويشهد له مجيئه على
عقب قوله - وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين - ويجوز أن يقع هذا الاعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة
فذكر على سبيل الحكاية : أي آويناهما وقنا لهما هذا : أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا فكلا مما رزقنا
كما واعملا صالحا اقتداء بالرسل . قرئ ( وإن ) بالكسر على الاستئناف ، وأن بمعنى ولان وأن مخففة من الثقيلة ،
و ( أمتكم ) مرفوعة معها . وقرئ ( زبرا ) جمع زبور : أي كتبا مختلفة ، يعنى جعلوا دينهم أديانا ، وزبرا قطعا
استعيرت من زبر الفضة والحديد ، وزبرا مخففة الباء كرسل في رسل : أي كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين
دينهم فرح بباطله مطمئنا لنفس معتقد أنه على الحق . الغمرة : الماء الذي يغمر القامة ، فضربت مثلا لما هم
مغمورون فيه من جهلهم وعمايتهم ، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل ، قال :
* كأنني ضارب في غمرة لعب * وعن علي رضي الله عنه في غمراتهم ( حتى حين ) إلى أن يقتلوا أو يموتوا ،