وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين . إن في ذلك لايات وإن كنا
لمبتلين . ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا
الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون . وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء
الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه
ويشرب مما تشربون . ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون .
شرح
يزيدوا إلا ضلالا ولزمتهم الحجة البالغة لم يبق إلا أن يجعلوا عبرة للمعتبرين . ولقد بالغ في ذلك حيث أتبع النهى عنه
الامر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم كقوله - فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين - ثم أمره
أن يدعوه بدعاء هو أهم وأنفع له وهو طلب أن ينزله في السفينة أو في الأرض عند خروجه منها منزلا يبارك له
فيه ويعطيه الزيادة في خير الدارين ، وأن يشفع الدعاء بالثناء عيه المطابق لمسألته وهو قوله ( وأنت خير المنزلين )
فإن قلت : هلا قيل فقولوا لقوله - فإذا استويت أنت ومن معك - لأنه في معنى فإذا استويتم ؟ قلت : لأنه نبيهم
وإمامهم فكان قوله قولهم مع ما فيه من الاشعار بفضل النبوة وإظهار كبرياء الربوبية ، وأن رتبة تلك المخاطبة
لا يترقى إليها إلا ملك أو نبي . وقرئ منزلا بمعنى إنزالا أو موضع إنزال كقوله - ليدخلهم منزلا يرضونه - ( إن ) هي
المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بين النافية وبينها في المعنى وإن الشأن والقصة ( كنا لمبتلين ) أي مصيبين قوم
نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد ، أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويدكر كقوله تعالى - ولقد
تركناها آية فهل من مدكر - ( قرنا آخرين ) هم عاد قوم هود . عن ابن عباس رضي الله عنهما : وتشهد له حكاية
الله تعالى قوله هود - واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح - ومجئ قصة هود على أثر قصة نوح في سورة
الأعراف وسورة هود والشعراء . فإن قلت : حق أرسل أن يعدى بإلى كأخواته التي هي وجه وأنفذ وبعث ، فما
باله عدى في القرآن بإلى تارة وبفي أخرى كقوله - كذلك أرسلناك في أمة - وما أرسلناك في قرية من نذير -
( فأرسلنا فيهم رسولا ) أي في عاد وفي موضع آخر وإلى عاد أخاهم هودا . قلت : لم يعد بفي كما عدى بإلى ولم
يجعل صلة مثله ، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعا للارسال كما قال رؤبة * أرسلت فيها مصعبا ذا إقحام *
وقد جاء بعث على ذلك في قوله - ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا - ( أن ) مفسرة لأرسلنا أي قلنا لهم على لسان
الرسول ( اعبدوا الله ) . فإن قلت : ذكر مقام هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير واو - قال
الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة - قالوا يا هود ما جئتنا ببينة - وههنا مع الواو فأي فرق بينهما . قلت :
الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال : فما قال قومه ؟ فقيل له : قالوا كيت وكيت . وأما الذي مع الواو
فعطف لما قالوه على ما قاله ، ومعناه أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل وشتان ماهما ( بلقاء الآخرة )
بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب كقولك يا حبذا جوار مكة : أي جوار الله في مكة . حذف الضمير ،
والمعنى : من مشروبكم أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه ( إذا ) واقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من
قومهم : أي تخسرون عقولكم وتغبنون في آرائكم . ثنى ( أنكم ) للتوكيد وحسن ذلك لفصل ما بين الأول والثاني