تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين . إن في ذلك لايات وإن كنا لمبتلين . ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون . وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون . ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون .
شرح
يزيدوا إلا ضلالا ولزمتهم الحجة البالغة لم يبق إلا أن يجعلوا عبرة للمعتبرين . ولقد بالغ في ذلك حيث أتبع النهى عنه الامر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم كقوله - فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين - ثم أمره أن يدعوه بدعاء هو أهم وأنفع له وهو طلب أن ينزله في السفينة أو في الأرض عند خروجه منها منزلا يبارك له فيه ويعطيه الزيادة في خير الدارين ، وأن يشفع الدعاء بالثناء عيه المطابق لمسألته وهو قوله ( وأنت خير المنزلين ) فإن قلت : هلا قيل فقولوا لقوله - فإذا استويت أنت ومن معك - لأنه في معنى فإذا استويتم ؟ قلت : لأنه نبيهم وإمامهم فكان قوله قولهم مع ما فيه من الاشعار بفضل النبوة وإظهار كبرياء الربوبية ، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبي . وقرئ منزلا بمعنى إنزالا أو موضع إنزال كقوله - ليدخلهم منزلا يرضونه - ( إن ) هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بين النافية وبينها في المعنى وإن الشأن والقصة ( كنا لمبتلين ) أي مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد ، أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويدكر كقوله تعالى - ولقد تركناها آية فهل من مدكر - ( قرنا آخرين ) هم عاد قوم هود . عن ابن عباس رضي الله عنهما : وتشهد له حكاية الله تعالى قوله هود - واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح - ومجئ قصة هود على أثر قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء . فإن قلت : حق أرسل أن يعدى بإلى كأخواته التي هي وجه وأنفذ وبعث ، فما باله عدى في القرآن بإلى تارة وبفي أخرى كقوله - كذلك أرسلناك في أمة - وما أرسلناك في قرية من نذير - ( فأرسلنا فيهم رسولا ) أي في عاد وفي موضع آخر وإلى عاد أخاهم هودا . قلت : لم يعد بفي كما عدى بإلى ولم يجعل صلة مثله ، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعا للارسال كما قال رؤبة * أرسلت فيها مصعبا ذا إقحام * وقد جاء بعث على ذلك في قوله - ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا - ( أن ) مفسرة لأرسلنا أي قلنا لهم على لسان الرسول ( اعبدوا الله ) . فإن قلت : ذكر مقام هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير واو - قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة - قالوا يا هود ما جئتنا ببينة - وههنا مع الواو فأي فرق بينهما . قلت : الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال : فما قال قومه ؟ فقيل له : قالوا كيت وكيت . وأما الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله ، ومعناه أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل وشتان ماهما ( بلقاء الآخرة ) بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب كقولك يا حبذا جوار مكة : أي جوار الله في مكة . حذف الضمير ، والمعنى : من مشروبكم أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه ( إذا ) واقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قومهم : أي تخسرون عقولكم وتغبنون في آرائكم . ثنى ( أنكم ) للتوكيد وحسن ذلك لفصل ما بين الأول والثاني