فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون . ثم أرسلنا موسى
وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين . إلى فرعون وملاه فاستكبروا وكانوا قوما عالين .
فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون . فكذبوهما فكانوا من المهلكين .
ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون . وجعلنا ابن مريم وأمة آية وآوينا هما
إلى ربوة ذات قرار ومعين .
شرح
الواو كما في تولج وتيقور : أي متواترين واحدا بعد واحد من الوتر وهو الفرد ، أضاف الرسل إليه تعالى وإلى
أممهم - ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات - ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات - لان الإضافة تكون بالملابسة ، والرسول
ملابس المرسل والمرسل إليه جميعا ( فأتبعنا ) الأمم أو القرون ( بعضهم بعضا ) في الاهلاك ( وجعلناهم ) أخبارا يسمر
بها ويتعجب منها . الأحاديث تكون اسم جمع للحديث ، ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكون جمعا
للأحدوثة التي هي مثل الأضحوكة والألعوبة والأعجوبة وهى مما يتحدث به الناس تلهيا وتعجبا وهو المراد ههنا .
فإن قلت : ما المراد بالسلطان المبين ؟ قلت : يجوز أن تراد العصا لأنها كانت أم آيات موسى وأولاها ، وقد
تعلقت بها معجزات شتى من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر
بضربهما بها وكونها حارسا وشمعة وشجرة خضراء مثمرة ودلوا ورشاء ، جعلت كأنها ليست بعضها لما استبدت به
من الفضل فلذلك عطفت عليها كقوله تعالى - وجبريل وميكال - ويجوز أن تراد الآيات أنفسها : أي هي آيات
وحجة بينة ( عالين ) متكبرين - إن فرعون علا في الأرض - لا يريدون علوا في الأرض أو متطاولين على الناس
قاهرين بالبغي والظلم . البشر يكون واحد وجمعا - بشرا سويا - لبشرين - فإما ترين من البشر - ومثل وغير يوصف
بهما الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث - إنكم إذا مثلهم - ومن الأرض مثلهن - ويقال أيضا هما مثلاه وهم أمثاله -
- إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم - ( وقومهما ) يعنى بني إسرائيل كأنهم يعبدوننا خضوعا وتذللا ، أو
لأنه كان يدعى الإلهية فادعى للناس العبادة ، وأن طاعتهم له عبادة على الحقيقة ( موسى الكتاب ) أي قوم موسى
التوراة ( لعلهم ) يعملون بشرائعها ومواعظها كما قال - على خوف من فرعون وملئهم - يريد آل فرعون ، وكما
يقولون هاشم وثقيف وتميم ويراد قومهم . ولا يجوز أن يرجع الضمير في لعلهم إلى فرعون وملئه لان التوراة إنما
أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملئه - ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى - فإن قلت :
لو قيل آيتين هل كان يكون له وجه ؟ قلت : نعم لان مريم ولدت من يغر مسيس وعيسى روح من الله ألقى إليها
وقد تكلم في المهد ، وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر ، فكان آية من غير وجه ، واللفظ محتمل للتثنية على تقدير
( وجعلنا ابن مريم ) آية ( وأمه آية ) ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها . الربوة والرباوة في رائهما الحركات .
وقرئ ربوة ورباوة بالضم ورباوة بالكسر وهى الأرض المرتفعة ، قيل هي إيليا أرض بيت المقدس ، وأنها كبد
الأرض ، وأقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا عن كعب . وقيل دمشق وغوطتها . وعن الحسن : فلسطين
والرملة . وعن أبي هريرة : الزموا هذه الرملة رملة فلسطين ، فإنها الربوة التي ذكرها الله وقيل مصر . والقرار