تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين . إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين . قال رب انصرني بما كذبون . قال عما قليل ليصبحن نادمين . فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين . ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين . ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون . ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه .
شرح
بالظرف ، ومخرجون خبر عن الأول أو جعل أنكم مخرجون مبتدأ ، وإذا متم خبرا على معنى إخراجكم إذا متم ، ثم أخبر بالجملة عن أنكم أو رفع أنكم مخرجون بفعل هو جزاء للشرط كأنه قيل : إذا متم وقع إخراجكم ، ثم أوقعت الجملة الشرطية خبرا عن أنكم . وفي قراءة ابن مسعود أيعدكم إذا متم . قرئ ( هيهات ) بالفتح والكسر والضم كلها بتنوين وبلا تنوين وبالسكون على لفظ الوقت . فإن قلت : ما توعدون هو المستبعد ومن حقه أن يرتفع بهيهات كما ارتفع في قوله * فهيهات هيهات العقيق وأهله * فما هذه اللام ؟ قلت : قال الزجاج في تفسيره : البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون فنزله منزلة المصدر . وفيه وجه آخر وهو أن يكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويب بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في - هيت لك - لبيان المهيت به . هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه من بيانه وأصله إن الحياة ( إلا حياتنا الدنيا ) ثم وضع هي موضع الحياة لان الخبر يدل عليها ويبينها ، ومنه : هي النفس تتحمل ما حملت ، وهى العرب تقول ما شاءت ، والمعنى : لا حياة إلا هذه الحياة ، لان إن النافية دخلت على هي التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفى الجنس ( نموت ونحيا ) أي يموت بعض ويولد بعض ، ينقرض قرن ويأتي قرن آخر . ثم قالوا : ما هود إلا مفتر على الله فيما يدعيه من استنبائه له وفيما يعدنا من البعث وما نحن بمصدقين ( قليل ) صفة للزمان كقديم وحديث في قولك ما رأيته قديما ولا حديثا ، وفى معناه عن قريب ، وما توكيد لمعنى قلة المدة وقصرها ( الصيحة ) صيحة جبريل عليه السلام صاح عليهم فدمرهم ( بالحق ) بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك أو بالعدل من الله ، من قولك فلان يقضى بالحق إذا كان عادلا في قضاياه . شبههم في دمارهم بالغثاء وهو حميل السيل مما بلى واسود من العيدان والورق ، ومنه قوله تعالى - فجعله غثاء أحوى - قد جاء مشددا في قول امرئ القيس : * من السيل والغثاء فلكة مغزل * بعدا وسحقا ودفرا ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها وهى من جملة المصادر التي قال سيبويه نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها ، ومعنى بعدا بعدوا : أي هلكوا ، يقال بعد بعدا ويعدا نحو رشد رشدا ورشدا ، و ( للقوم الظالمين ) بيان لمن دعى عليه بالبعد نحوه - هيت لك - و - لما توعدون - ( قرونا ) قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : بني إسرائيل ( أجلها ) الوقت الذي حد لهلاكها وكتب ( تترى ) فعلى الألف للتأنيث لان الرسل جماعة . وقرئ تترى بالتنوين والتاء بدل من
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 32 | الزمخشري