وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للاكلين . وإن لكم في الانعام
لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون . وعليها وعلى
الفلك تحملون . ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره
أفلا تتقون . فقال الملا الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل
عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين .
شرح
ووصف النخل والعنب بأن ثمرها جامع بين أمرين بأنه فاكهة يتفكه بها وطعام يؤكل رطبا ويابسا رطبا وعنبا وتمرا
وزبيبا والزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعا ، ويجوز أن يكون قوله - ومنها تأكلون - من قولهم
يأكل فلان من حرفة يحترفها ومن ضيعة يغتلها ومن تجارة يتربح بها : يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يصحل
رزقه كأنه قال : وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها ترتزقون وتتعيشون ( وشجرة ) عطف على جنات ،
وقرئت مرفوعة على الابتداء : أي ومما أنشئ لكم شجرة ( طو سناء ) وطور سينين لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور
إلى بقعة اسمها سيناء وسينون ، وإما أن يكون اسما للجبل مركبا من مضاف ومضاف إليه كامرئ القيش وكبعلبك
فيمن أضاف ، فمن كسر سين سيناء فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث لأنها بقعة وفعلاء لا يكون ألفه
للتأنيث كعلباء وحرباء ومن فتح فلم يصرف لان الألف للتأنيث كصحراء ، وقيل هو جبل فلسطين ، وقيل بين
مصر وأيلة ومنه نودي موسى عليه السلام . وقرأ الأعمش سينا على القصر ( بالدهن ) في موضع الحال : أي تنبت
وفيها الدهن ، وقرئ تنبت . وفيه وجهان : أحدهما أن أنبت بمعنى نبت وأنشد لزهير :
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل
والثاني أن مفعوله محذوف : أي تنبت زيتونها وفيه الزيت . وقرى تنبت بضم التاء وفتح الباء وحكمه حكم
تنبت . وقرأ ابن مسعود تخرج الدهن وصبغ الاكلين ، وغيره تخرج بالدهن ، وفى حرف أبى تثمر بالدهن ، وعن
بعضهم تنبت بالدهان . وقرأ الأعمش وصبغا ، وقرئ وصباغ ونحوهما دبغ ودباغ والصبغ الغمس للائتدام ،
وقيل هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان ووصفها الله تعالى بالبركة في قوله - توقد من شجرة مباركة - قرئ تسقيكم
بتاء مفتوحة : أي تسقيكم الانعام ( ومنها تأكلون ) أي تتعلق بها منافع من الركوب والحمل وغير ذلك كما تتعلق
بما لا يؤكل لحمه من الخيل والبغال والحمير ، وفيها منفعة زائدة وهى الاكل الذي هو انتفاع بذواتها ، والقصد
بالانعام إلى الإبل لأنها هي المحمول عليها في العادة ، وقرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفائن البر ، قال
ذو الرمة * سفينة بر تحت خدي زمامها * يريد صيدحه ( غيره ) بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ ، والجملة
استئناف تجرى مجرى التعليل للامر بالعبادة ( أفلا تتقون ) أفلا تخافون أن ترفضوا عبادة الله الذي هو ربكم وخالقكم
ورازقكم وشكر نعمته التي لا تحصونها واجب عليكم ثم تذهبوا فتعبدوا غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شئ
( أن يتفضل عليكم ) أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله تعالى - وتكون لكما الكبرياء في الأرض - ( بهذا )
إشارة إلى نوح عليه السلام أو إلى ما كلمهم به من الحث على عبادة الله : أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام ، أو بمثل