ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا
أولئك لهم عذاب مهين * إذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن
لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم
* إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم
جنات النعيم * خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم * خلق السماوات
بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة
وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم * هذا خلق الله فأروني
ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين
شرح
على حديث الحق . وقرئ ( ليضل ) بضم الياء وفتحها ، و ( سبيل ) الله ) دين الاسلام أو القرآن . فإن قلت : القراءة
بالضم بينه لان النضر كان غرضه باشتراء اللهو أن يصعد الناس عن الدخول في الاسلام واستماع القرآن ويضلهم عنه ،
فما معنى القراءة بالفتح ؟ قلت : فيه معنيان أحدهما ليثبت على ضلاله الذي كان عليه ولا يصدف عنه ويزيد فيه
ويمده فإن المخذول كان شديد الشكيمة في عداوة الدين وصد الناس عنه . والثاني أن يوضع ليضل موضع ليضل
من قبل أن من أضل كان ضالا لا محالة فدل بالرديف على المردوف . فإن قلت : ما معنى قوله ( بغير علم ) قلت :
لما جعله مشتريا لهو الحديث بالقرآن قال يشترى بغير علم بالتجارة وبغير بصيرة بها ، حيث يستبدل الضلال
بالهدى والباطل بالحق ، ونحوه قوله تعالى - فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين - أي وما كانوا مهتدين للتجارة
بصراء بها . وقرئ ( ويتخذها ) بالنصب والرفع عطفا على يشترى أو ليضل والضمير للسبيل لأنها مؤنثة كقوله
تعالى - وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا - ( ولى مستكبرا ) زاما لا يعبأ بها ، ولا يرفع بها رأسا .
تشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها وهو سامع ( كأن في أذنيه وقرا ) أي ثقلا ، ولا وقر فيهما . وقرئ بسكون
الذال . فإن قلت : ما محل الجملتين المصدرتين بكأن ؟ قلت : الأولى حال من مستكبرا ، والثانية من لم يسمعها ،
ويجوز أن تكونا استئنافين ، والأصل في كأن المخففة كأنه والضمير ضمير الشأن ( وعد الله حقا ) مصدران
مؤكدان : الأول مؤكد لنفسه ، والثاني مؤكد لغيره ، لان قوله - لهم جنات النعيم - في معنى وعدهم الله جنات
النعيم ، فأكد معنى الوعد بالوعد ، وأما حقا فدال على معنى الثبات أكد به معنى الوعد ومؤكدهما جميعا قوله
- لهم جنات النعيم - ( وهو العزيز ) الذي لا يغلبه شئ ولا يعجزه ، يقدر على الشئ وضده فيعطى النعيم من شاء
والبؤس من شاء ، وهو ( الحكيم ) لا يشاء إلا ما توجبه الحكمة والعدل ( ترونها ) الضمير فيه للسموات ، وهو
استشهاد برؤيتهم لها غير معمودة على قوله - بغير عمد - كما تقول لصاحبك أنا بلا سيف ولا رمح تراني . فإن قلت :
ما محلها من الاعراب ؟ قلت : لا محل لا لأنها مستأنفة ، أو هي محل الجر صفة للعمد : أي بغير عمد مرئية ،
يعنى أنه عمدها بعمد لا ترى ، وهي امساكها بقدرته ( هذا ) إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته ، والخلق بمعنى المخلوق ،
و ( الذين من دونه ) آلهتهم ، بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه الله وأنشأه فأروني ماذا خلقته آلهتكم حتى