من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم
القدير
* ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون
* وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم
البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون * فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم
يستعتبون
شرح
والشبيبة ، وتلك حال القوة إلى الاكتهال وبلوغ الأشد ، ثم رددتم إلى أصل حالكم وهو الضعف بالشيخوخة
والهرم . وقيل من ضعف من النطف كقوله تعالى - من ماء مهين - وهذا الترديد في الأحوال المختلفة والتغيير من
هيئة إلى هيئة وصفة إلى صفة أظهر دليل وأعدل شاهد على الصانع العلم القادر ( الساعة ) القيامة سميت
بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا ، أو لأنها تقع بغتة وبديهة كما تقول في ساعة لمن تستعجله وجزت
علما لها كالنجم للثريا والكوكب للزهرة . وأرادوا لبثهم في الدنيا ، أو في القبور ، أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث ،
وفي الحديث " ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون " قالوا : لا نعلم ، أهي أربعون سنة أم أربعون ألف سنة ،
وذلك وقت يفنون فه وينقطع عذابهم ، وإنما يقدرون وقت لبثهم بذلك على وجه استقصارهم له أو ينسون
أو يكذبون أو يخمنون ( كذلك كانوا يؤفكون ) أي مثل ذلك كانوا يصرفون عن الصدق والتحقيق في الدنيا ،
وهكذا كانوا يبنون أمرهم على خلاف الحق ، أو مثل الإفك كانوا يؤفكون في الاغترار بما تبين لهم الان أنه
ما كان الا ساعة القائلون هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون ( في كتاب الله ) في اللوح أو في علم الله وقضائه ، أو فيما
كتبه : أي أوجبه بحكمته ردوا ما قالوه ، وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة . ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على
إنكار البعث بقولهم ( فهذا يوم البعث ولكنكم لا تعلمون ) أنه حق لتفريطكم في طلب الحق واتباعه . فإن
قلت : ما هذه الفاء وما حقيقتها ؟ قلت : هي التي في قوله * فقد جئنا خراسانا * وحقيقتها أنها جواب شرط
يدل عليه الكلام كأنه قال : إن صح ما قلتم من أن خراسان أقصى ما يراد بنا فقد جئنا خراسان وآن لنا أن نخلص ،
وكذلك إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث : أي فقد تبين بطلان قولكم ، وقرأ الحسن يوم البعث بالتحريك
( لا ينفع ) قرئ بالياء والتاء ( يستعتبون ) من قولك استعتبني فلان فأعتبته : أي
استرضاني فأرضيته ، وذلك إذا كنت جانبا عليه وحقيقة أعتبته أزلت عتبه ، ألا ترى إلى قوله :
غضبت تميم أن تقتل عامر * يوم النسار فأعتبوا بالصيلم
كيف جعلهم غضابا ثم قال فأعتبوا : أي أزيل غضبهم ، والغضب في معنى العتب ، والمعنى : لا يقال لهم ارضوا
ربكم بتوبة وطاعة ، ومثله قوله تعالى - لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون - فإن قلت : كيف جعلوا غير مستعتبين
في بعض الآيات ، وغير معتبين في بعضها وهو قوله - وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين - ؟ قلت : أما كونهم غير
مستعتبين فهذا معناه ، وأما كونهم غير معتبين فمعناه أنهم غير راضين بما هم فيه ، فشبهت حالهم بحال قوم جنى
عليهم فهم عاتبون على الجاني غير راضين عنه ، فإن يستعتبوا الله : أي يسألوه إزالة ما هم فيه فما هم من المجابين