ألم تلك آيات الكتاب الحكيم * هدى ورحمة للمحسنين * الذين يقيمون
الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك
هم المفلحون *
شرح
( الكتاب الحكيم ) ذي الحكمة أو وصف بصفة الله تعالى على الاسناد المجازي ، ويجوز أن يكون الأصل
الحكيم قائله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فبانقلابه مرفوعا بعد الجر استكن في الصفة المشبهة ( هدى
ورحمة ) بالنصب على الحال عن الآيات والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة ، وبالرفع على أنه خبر بعد خبر
أو خبر مبتدأ محذوف ( للمحسنين ) للذين يعملون الحسنات وهي التي ذكرها من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
والايقان بالآخرة ، ونظيره قول أوس :
الألمعي الذي يظن بك الظنن * كأن قد رأى وقد سمعا
حكى عن الأصمعي أنه سئل عن الألمعي فأنشده ولم يزد أو للذين يعملون جميع ما يحسن من الأعمال ، ثم خص
منهم القائمين بهذه الثلاث لفضل اعتداد بها . اللهو كل باطل ألهي عن الخير ، وعما يعنى ، و ( لهو الحديث ) نحو
السمر بالأساطير والأحاديث التي لا أصل لها ، والتحدث بالخرافات والمضاحيك وفضول الكلام وما لا ينبغي من
كان وكان ، ونحو الغناء وتعلم الموسيقار ( 1 ) وما أشبه ذلك . وقيل نزلت في النضر بن الحرث وكان يتجر إلى
فارس فيشترى كتب الأعاجم فيحدث بها قريشا ويقول : إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم
بأحاديث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة ، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن . وقيل كان يشترى
المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الاسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقوم : أطعميه وأسقيه وغنيه ويقول : هذا خير مما
يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه . وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم " لا يحل بيع
المغنيات ولا شراؤهن ولا التجارة فيهن ولا أثمانهن " وعنه صلى الله عليه وسلم " ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا
بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والاخر على هذا المنكب ، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى
يكون هو الذي يسكت " وقيل : الغناء منفدة للمال مسخطة للرب مفسدة للقلب . فإن قلت : ما معنى إضافة اللهو
إلى الحديث ؟ قلت : معناها التبيين وهي الإضافة بمعنى من وأن يضاف الشئ إلى ما هو منه كقولك صفة خز ،
وباب ساج ، والمعنى : من يشترى اللهو من الحديث لان اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبين بالحديث ،
والمراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء في الحديث " الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش ،
ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى من التبعيضية كأنه قيل : ومن الناس من يشترى بعض الحديث الذي هو اللهو منه .
وقوله يشترى ، إما من الشراء على ما روى عن النضر من شراء كتب الأعاجم أو من شراء القيان ، وإما من قوله
- اشتروا الكفر بالإيمان - أي استبدلوه منه واختاروه عليه . وعن قتادة : اشتراؤه استحبابه ، يختار حديث الباطل
هامش
( 1 ) قوله الموسيقار في بعض الحواشي هو بالراء ، العلم بصنعة آلة الغناء وبغير راء ، صنعة الغناء ومعرفة النغم ، وهي من الألفاظ
اليونانية اه كتبه مصححه .