يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في
السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير * يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه
عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور
شرح
فإن قلت : ما معنى توقيت الفصال بالعامين ؟ قلت : المعنى في توقيته بهذه المدة أنها الغاية التي لا تتجاوز ، والامر
فيما دون العامين موكول إلى اجتهاد الام إن علمت أنه يقوى على الفطام فلها أن تفطمه ويدل عليه قوله تعالى
- والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد إن يتم الرضاعة - وبه استشهد الشافعي رضي الله عنه على أن
مدة الرضاع سنتان لا تثبت حرمة الرضاع بعد انقضائهما ، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد ، وأما عند أبي حنيفة
رضي الله عنه فمدة الرضاع ثلاثون شهرا . وعن أبي حنيفة : إن فطمته قبل العامين فاستغنى بالطعام ثم أرضعته لم يكن
رضاعا ، وإن أكل أكلا ضعيفا لم يستغن به عن الرضاع ثم أرضعته فهو رضاع محرم . قرئ مثقال حبة بالنصب
والرفع ، فمن نصب كان الضمير للهنة من الإساءة أو الاحسان : أي إن كانت مثلا في الصغر ، والقماءة كحبة
الخردل فكانت مع صغرها في أخفى موضع واحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي
( يأت بها الله ) يوم القيامة فيحاسب بها عاملها ( إن الله لطيف ) يتوصل علمه إلى كل خفي ( خبير ) عالم بكنهه .
وعن قتادة لطيف باستخراجها خبير بمستقرها ، ومن قرأ بالرفع كان ضمير القصة وإنما أنث المثقال لاضافته إلى الحبة
كما قال : * كما شرقت صدر القناة من الدم * وروى أن ابن لقمان قال له : أرأيت الحبة تكون في مقل
البحر : أي في مغاصه يعلمها الله ؟ فقال : إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لان الحبة في الصخرة أخفى
منها في الماء . وقيل الصخرة هي التي تحت الأرض وهي السجين يكتب فيها اعمال الكفار . وقرئ فتكن بكسر
الكاف ، من وكن الطائر يكن : إذا استقر في وكنته وهي مقره ليلا ( واصبر على ما أصابك ) يجوز أن يكون عاما
في كل ما يصيبه من المحن ، وأن يكون خاصا بما يصيبه فيما أمر به من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من أذى
من يبعثهم على الخير وينكر عليهم الشر ( إن ذلك ) مما عزمه الله من الأمور أي قطعه قطع إيجاب وإلزام ، ومنه
الحديث " لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل " أي لم يقطعه بالنية ، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام لمن لم
يبيت الصيام ومنه " إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه " وقولهم : عزمة من عزمات ربنا ، ومنه
عزمات الملوك ، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده : عزمت عليك إلا فعلت كذا ، إذا قال ذلك لم يكن
للمعزوم عليه بد من فعله ولا مندوحة في تركه ، وحقيقته أنه من تسمية المفعول بالمصدر وأصله من معزومات
الأمور : أي مقطوعاتها ومفروضاتها ، ويجوز أن يكون مصدرا في معنى الفاعل أصله من عازمات الأمور من
قوله تعالى " فإذا عزم الامر - كقولك جد الامر وصدق القتال ، وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات وأنها