تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير * يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور
شرح
فإن قلت : ما معنى توقيت الفصال بالعامين ؟ قلت : المعنى في توقيته بهذه المدة أنها الغاية التي لا تتجاوز ، والامر فيما دون العامين موكول إلى اجتهاد الام إن علمت أنه يقوى على الفطام فلها أن تفطمه ويدل عليه قوله تعالى - والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد إن يتم الرضاعة - وبه استشهد الشافعي رضي الله عنه على أن مدة الرضاع سنتان لا تثبت حرمة الرضاع بعد انقضائهما ، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد ، وأما عند أبي حنيفة رضي الله عنه فمدة الرضاع ثلاثون شهرا . وعن أبي حنيفة : إن فطمته قبل العامين فاستغنى بالطعام ثم أرضعته لم يكن رضاعا ، وإن أكل أكلا ضعيفا لم يستغن به عن الرضاع ثم أرضعته فهو رضاع محرم . قرئ مثقال حبة بالنصب والرفع ، فمن نصب كان الضمير للهنة من الإساءة أو الاحسان : أي إن كانت مثلا في الصغر ، والقماءة كحبة الخردل فكانت مع صغرها في أخفى موضع واحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي ( يأت بها الله ) يوم القيامة فيحاسب بها عاملها ( إن الله لطيف ) يتوصل علمه إلى كل خفي ( خبير ) عالم بكنهه . وعن قتادة لطيف باستخراجها خبير بمستقرها ، ومن قرأ بالرفع كان ضمير القصة وإنما أنث المثقال لاضافته إلى الحبة كما قال : * كما شرقت صدر القناة من الدم * وروى أن ابن لقمان قال له : أرأيت الحبة تكون في مقل البحر : أي في مغاصه يعلمها الله ؟ فقال : إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لان الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء . وقيل الصخرة هي التي تحت الأرض وهي السجين يكتب فيها اعمال الكفار . وقرئ فتكن بكسر الكاف ، من وكن الطائر يكن : إذا استقر في وكنته وهي مقره ليلا ( واصبر على ما أصابك ) يجوز أن يكون عاما في كل ما يصيبه من المحن ، وأن يكون خاصا بما يصيبه فيما أمر به من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من أذى من يبعثهم على الخير وينكر عليهم الشر ( إن ذلك ) مما عزمه الله من الأمور أي قطعه قطع إيجاب وإلزام ، ومنه الحديث " لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل " أي لم يقطعه بالنية ، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام لمن لم يبيت الصيام ومنه " إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه " وقولهم : عزمة من عزمات ربنا ، ومنه عزمات الملوك ، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده : عزمت عليك إلا فعلت كذا ، إذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله ولا مندوحة في تركه ، وحقيقته أنه من تسمية المفعول بالمصدر وأصله من معزومات الأمور : أي مقطوعاتها ومفروضاتها ، ويجوز أن يكون مصدرا في معنى الفاعل أصله من عازمات الأمور من قوله تعالى " فإذا عزم الامر - كقولك جد الامر وصدق القتال ، وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات وأنها