خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون . فخسفنا به وبداره الأرض
فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين . وأصبح الذين
تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر
لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون .
شرح
الله به بعضكم على بعض ، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم " هل يضر الغبط ؟ فقال : لا ، إلا كما يضر العضاه
الخبط " . والحظ : الجد وهو البخت والدولة ، وصفوة بأنه رجل مجدود مبخوت يقال فلان ذو حظ وحظيظ
ومحظوظ ، وما الدنيا إلا أحاظ وجدود . ويلك أصله الدعاء بالهلاك ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك
ما لا يرتضى ، كما استعمل لا أبالك وأصله الدعاء على الرجل بالإقراف في الحث على الفعل . والراجع في ( ولا يلقاها )
للكلمة التي تكلم بها العلماء أو للثواب لأنه في معنى المثوبة ، أو الجنة أو للسيرة والطريقة وهى الإيمان والعمل
الصالح ( الصابرون ) على الطاعات عن الشهوات وعلى ما قسم الله من القليل عن الكثير . كان قارون يؤذى نبي الله
موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما ، حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على
دينار ، وعن كل ألف درهم على درهم ، فحسبه فاستكثره فشحت به نفسه ، فجمع بني إسرائيل وقال : إن موسى
أرادكم على كل شئ وهو يريد أن يأخذ أموالكم ، فقالوا : أنت كبيرنا وسيدنا فمر بما شئت ، قال : نبرطل فلانة
البغى حتى ترميه بنفسها فيرفضه بنو إسرائيل ، فجعل لها ألف دينار ، وقيل طستا من ذهب ، وقيل طستا من ذهب
مملوءة ذهبا ، وقيل حكمها فلما كان يوم عيد قام موسى فقال : يا بني إسرائيل من سرق قطعناه ومن افترى جلدناه
ومن زنى وهو غير محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه ، فقال قارون : وإن كنت أنت ؟ قال : وإن كنت أنا ،
قال : فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة ، فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن
تصدق فتداركها الله فقالت كذبوا بل جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي ، فخر موسى ساجدا يبكى
وقال : يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي ، فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك ، فقال : يا بني إسرائيل
إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون ، فمن كان معه فليلزم مكانه ، ومن كان معي فليعتزل ،
فاعتزلوا جميعا غير رجلين ، ثم قال : يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ، ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ،
ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى عليه السلام ويناشدونه بالله والرحم ،
وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه ، ثم قال خذيهم فانطبقت عليهم ، وأوحى الله إلى موسى ما أفظك استغاثوا
بك مرارا فلم ترحمهم ، أما وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريبا مجيبا ، فأصبحت بنو إسرائيل يتناجون
بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه ، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله ( من المنتصرين ) من
المنتقمين من موسى عليه السلام أو من الممتنعين من عذاب الله ، يقال نصره من عدوه فانتصر : أي منعه منه
فامتنع . قد يذكر الأمس ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك ولكن الوقت المستقرب على طريق الاستعارة ( مكانه )
منزلته من الدنيا ( وى ) مفصولة عن كأن وهى كلمة تنبه على الخطأ وتندم ، ومعناه : أن القوم قد تنبهوا على
خطئهم في تمنيهم ، وقوله - يا ليت لنا مثل أوتى قارون - وتندموا ثم قالوا ( كأنه لا يفلح الكافرون ) أي ما أشبه
الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح وهو مذهب الخليل وسيبويه ، قال :