قل ربى أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين . وما كنت ترجوا أن يلقى
إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين . ولا يصدنك عن
آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين . ولا تدع
مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون .
شرح
المعاد لذلك . وقيل المراد به مكة ، ووجهه أن يراد رده إليها يوم الفتح ، ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم
معادا له شأن ومرجعا له اعتداد لغلبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وقهره لأهلها ولظهور عز الإسلام وأهله
وذل الشرك وحزبه ، والسورة مكية . فكأن الله وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر به منها ويعيده
إليها ظاهرا ظافرا . وقيل نزلت عليه حين بلغ الجحفة في مهاجره وقد اشتاق إلى مولده ومولد آبائه وحرم إبراهيم ،
فنزل جبريل فقال له : أتشتاق إلى مكة ؟ قال : نعم فأوحاها إليه . فإن قلت : كيف اتصل قوله تعالى ( قل ربى
أعلم ) بما قلبه ؟ قلت : لما وعد رسوله الرد إلى معاد . قال : قل للمشركين ربى أعلم من جاء بالهدى : يعنى نفسه
وما يستحقه من الثوب في معاده ( ومن هو في ضلال مبين ) يعنيهم وما يستحقونه من العقاب في معادهم . فإن
قلت : قوله ( إلا رحمة من ربك ) ما وجه الاستثناء فيه ؟ قلت : هذا كلام محمول على المعنى كأنه قيل : وما ألقى
عليك الكتاب إلا رحمة من ربك ، ويجوز أن يكون إلا بمعنى لكن للاستدراك : أي ولكن لرحمة من ربك ألقى
إليك . وقرئ يصدنك من أصده بمعنى صده وهى في لغة كلب ، وقال :
أناس أصد الناس بالسيف عنهم * صدود السواقي عن أنوف الحوائم
( بعد إذ أنزلت إليك ) بعد وقت إنزاله ، وإذ تضاف إليه أسماء الزمان كقولك حينئذ وليلتئذ ويومئذ وما أشبه
ذلك . والنهى عن مظاهرة الكافرين ونحو ذلك من باب التهييج الذي سبق ذكره ( إلا وجهه ) إلا إياه والوجه يعبر
به عن الذات ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ طسم القصص كان له من الأجر بعدد من صدق
موسى وكذب به ، ولم يبق ملك في السماوات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه كان صادقا أن كل شئ هالك
إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون " .