تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون * إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين . وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن .
شرح
( فقلنا ) للأمة ( هاتوا برهانكم ) فيما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسول ( فعلموا ) حينئذ ( أن الحق لله ) ولرسله لا لهم ولشياطينهم ( وضل عنهم ) وغاب عنهم غيبة الشئ الضائع ( ما كانوا يفترون ) من الكذب والباطل ( قارون ) اسم أعجمي مثل هارون ، ولم ينصرف للعجمة والتعريف ، ولو كان فاعولا من قرن لانصرف . وقيل معنى كونه من قومه أنه آمن به . وقيل كان إسرائيليا ابن عم موسى هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وموسى ابن عمران بن قاهث . وقيل كان موسى ابن أخيه وكان يسمى المنور لحسن صورته ، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة ، ولكنه نافق كما نافق السامري وقال : إذا كانت النبوة لموسى عليه السلام والمذبح والقربان إلى هارون فمالي ؟ وروى أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة والحبورة لهارون يقرب القربان ويكون رأسا فيهم ، وكان القربان إلى موسى فجعله موسى إلى أخيه وجد قارون في نفسه وحسدهما فقال لموسى : الأمر لكما ولست على شئ إلى متى أصبر ؟ قال موسى : هذا صنع الله ، قال : والله لا أصدقك حتى تأتى آية ، فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يجئ كل واحد بعصاه ، فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها وكانوا يحرسون عصيهم بالليل ، فأصبحوا وإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز ، فقال قارون : ما هو بأعجب مما تصنع من السحر ( فبغى عليهم ) من البغى وهو الظلم ، قيل ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم . وقيل من البغى وهو الكبر والبذح تبذخ عليهم بكثرة ماله وولده . وقيل زاد عليهم في الثياب شبرا . المفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به . وقيل هي الخزائن وقياس واحدها مفتح بالفتح . ويقال ناء به الحمل : إذا أثقله حتى أماله ، والعصبة : الجماعة الكثيرة والعصابة مثلها ، واعصو صبوا اجتمعوا . وقيل كانت تحمل مفاتيح خزانته ستون بغلا لكل خزانة مفتاح ولا يزيد المفتاح على إصبع وكانت من جلود . قال أبو رزين : يكفي الكوفة مفتاح ، وقد بولغ في ذكر ذلك بلفظ الكنوز والمفاتح والنوء والعصبة وأولى القوة . وقرأ بديل بن ميسرة لينوء بالياء ووجهه أن يفسر المفاتح بالخزائن ويعطيها حكم ما أضيفت إليه للملابسة والاتصال كقولك : ذهبت أهل اليمامة ومحل إذ منصوب بتنوء ( لا تفرح ) كقوله - ولا تفرحوا بما آتاكم - وقول القائل * ولست بمفراح إذا الدهر سرني * وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضى بها واطمأن ، وأما من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه مفارق ما فيه عن قريب لم تحدثه نفسه بالفرح ، وما أحسن ما قال القائل : أشد الغم عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه انتقالا ( وابتغ فيما آتاك الله ) من الغنى والثروة ( الدار الآخرة ) بأن تفعل فيه أفعال الخير من أصناف الواجب والمندوب إليه وتجعله زادك إلى الآخرة ( ولا تنس نصيبك ) وهو أن تأخذ منه ما يكفيك ويصلحك ( وأحس )