فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون * إن قارون كان
من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى
القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين . وابتغ فيما آتاك الله الدار
الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن .
شرح
( فقلنا ) للأمة ( هاتوا برهانكم ) فيما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسول ( فعلموا ) حينئذ ( أن الحق لله ) ولرسله
لا لهم ولشياطينهم ( وضل عنهم ) وغاب عنهم غيبة الشئ الضائع ( ما كانوا يفترون ) من الكذب والباطل ( قارون )
اسم أعجمي مثل هارون ، ولم ينصرف للعجمة والتعريف ، ولو كان فاعولا من قرن لانصرف . وقيل معنى كونه
من قومه أنه آمن به . وقيل كان إسرائيليا ابن عم موسى هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وموسى
ابن عمران بن قاهث . وقيل كان موسى ابن أخيه وكان يسمى المنور لحسن صورته ، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة ،
ولكنه نافق كما نافق السامري وقال : إذا كانت النبوة لموسى عليه السلام والمذبح والقربان إلى هارون فمالي ؟
وروى أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة والحبورة لهارون يقرب القربان ويكون رأسا فيهم ، وكان
القربان إلى موسى فجعله موسى إلى أخيه وجد قارون في نفسه وحسدهما فقال لموسى : الأمر لكما ولست على
شئ إلى متى أصبر ؟ قال موسى : هذا صنع الله ، قال : والله لا أصدقك حتى تأتى آية ، فأمر رؤساء بني إسرائيل
أن يجئ كل واحد بعصاه ، فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها وكانوا يحرسون عصيهم بالليل ،
فأصبحوا وإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز ، فقال قارون : ما هو بأعجب مما تصنع
من السحر ( فبغى عليهم ) من البغى وهو الظلم ، قيل ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم . وقيل من البغى وهو
الكبر والبذح تبذخ عليهم بكثرة ماله وولده . وقيل زاد عليهم في الثياب شبرا . المفاتح جمع مفتح بالكسر وهو
ما يفتح به . وقيل هي الخزائن وقياس واحدها مفتح بالفتح . ويقال ناء به الحمل : إذا أثقله حتى أماله ، والعصبة :
الجماعة الكثيرة والعصابة مثلها ، واعصو صبوا اجتمعوا . وقيل كانت تحمل مفاتيح خزانته ستون بغلا لكل خزانة
مفتاح ولا يزيد المفتاح على إصبع وكانت من جلود . قال أبو رزين : يكفي الكوفة مفتاح ، وقد بولغ في ذكر
ذلك بلفظ الكنوز والمفاتح والنوء والعصبة وأولى القوة . وقرأ بديل بن ميسرة لينوء بالياء ووجهه أن يفسر المفاتح
بالخزائن ويعطيها حكم ما أضيفت إليه للملابسة والاتصال كقولك : ذهبت أهل اليمامة ومحل إذ منصوب بتنوء
( لا تفرح ) كقوله - ولا تفرحوا بما آتاكم - وقول القائل * ولست بمفراح إذا الدهر سرني * وذلك أنه
لا يفرح بالدنيا إلا من رضى بها واطمأن ، وأما من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه مفارق ما فيه عن قريب لم تحدثه نفسه
بالفرح ، وما أحسن ما قال القائل :
أشد الغم عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه انتقالا
( وابتغ فيما آتاك الله ) من الغنى والثروة ( الدار الآخرة ) بأن تفعل فيه أفعال الخير من أصناف الواجب
والمندوب إليه وتجعله زادك إلى الآخرة ( ولا تنس نصيبك ) وهو أن تأخذ منه ما يكفيك ويصلحك ( وأحس )