سورة العنكبوت
مكية . وهى تسع وستون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
ألم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون .
شرح
سورة العنكبوت
مكية . وهى تسع وستون آية
( بسم الله الرحمن الرحيم )
الحسبان لا يصلح تعليقه بمعانى المفردات ولكن بمضامين الجمل ، ألا ترى أنك لو قلت حسبت زيدا وظننت
الفرس لم يكن شيئا حتى تقول حسبت زيدا عالما وظننت الفرس جوادا ، لأن قولك زيد عالم أو الفرس جواد كلام
دال على مضمون ، فأردت الإخبار عن ذلك المضمون ثابتا عندك على وجه الظن لا اليقين ، فلم تجد بدا في
العبارة عن ثباته عندك على ذلك الوجه من ذكر شطرى الجملة مدخلا عليهما فعل الحسبان حتى يتم لك غرضك .
فإن قلت : فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان في الآية ؟ قلت : هو في قوله ( أن يتركوا أن
يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) وذلك أن تقديره : أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا ، فالترك أول مفعولي حسب
ولقولهم آمنا هو الخبر ، وأما غير مفتونين فتتمة الترك لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير كقوله :
* فتركته جزر السباع ينشنه * ألا ترى أنك قبل المجئ بالحسبان تقدر أن تقول : تركهم غير مفتونين لقولهم
آمنا على تقدير حاصل ومستقر قبل اللام . فإن قلت : أن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن
يقع خبر مبتدأ ؟ قلت : كما ثقول خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب ، وقد كان التأديب والمخافة في قولك
خرجت مخافة الشر وضربته تأديبا تعليلين ، وتقول أيضا حسبت خروجه لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب
فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبرا . والفتنة : الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة
الأعداء وسائر الطاعات الشاقة وهجر الشهوات والملاذ ، وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال
وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم ، والمعنى : أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا
القول بالإيمان أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين ، بل يمحنهم الله بضروب المحن حتى يبلو صبرهم وثبات أقدامهم
وصحة عقائدهم ونصوح نياتهم ليتميز المخلص من غير المخلص والراسخ في الدين من المضطرب والمتمكن من العابد