تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
سبحان الله وتعالى عما يشركون . وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون . وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون . قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون . قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون . ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون . ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون . ونزعنا من كل أمة شهيدا
شرح
أعلم بمصالحهم من أنفسهم من قولهم في الأمرين ليس فيهما خيرة لمختار . فإن قلت : فأين الراجع من الصلة إلى الموصول إذا جعلت ما موصولة ؟ قلت : أصل الكلام ما كان لهم فيه الخيرة فحذف فيه كما حذف منه في قوله - إن ذلك لمن عزم الأمور - لأنه مفهوم ( سبحان الله ) أي الله برئ من إشراكهم وما يحملهم عليه من الجراءة على الله واختيارهم عليه مالا يختار ( ما تكن صدورهم ) من عداوة رسول الله وحسده ( وما يعلنون ) من مطاعنهم فيه وقولهم هلا اختير عليه غيره في النبوة ( وهو الله ) وهو المستأثر بالإلهية المختص بها ، و ( لا إله إلا هو ) تقرير لذلك كقولك الكعبة القبلة لا قبلة إلا هي . فإن قلت : الحمد في الدنيا ظاهر فما الحمد في الآخرة ؟ قلت : هو قولهم - الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ، الحمد لله الذي صدقنا وعده ، وقيل الحمد لله رب العالمين - والتحميد هناك على وجه اللذة لا الكلفة ، وفى الحديث " يلهمون التسبيح والتقديس " ( وله الحكم ) القضاء بين عباده ( أرأيتم ) وقرئ أرأيتم بحذف الهمزة وليس بحذف قياسي ، ومعناه : أخبروني من يقدر على هذا . والسرمد الدائم المتصل من السرد وهو المتابعة ، ومنه قولهم في الأشهر الحرم " ثلاثة سرد وواحد فرد " والميم مزيدة ووزنه فعمل ونظيره دلامص من الدلاص . فإن قلت : هلا قيل بنهار تتصرفون فيه كما قيل بليل تسكنون فيه ؟ قلت : ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثمة قرن بالضياء ( أفلا تسمعون ) لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده ، وقرن بالليل ( أفلا تبصرون ) لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه ( ومن رحمته ) زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة : لتسكنوا في أحدها وهو الليل ولتبتغوا من فضل الله في الآخر وهو النهار ولإرادة شكركم . وقد سلكت بهذه الآية طريقة اللف في تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء إيذانا بأن لا شئ أجلب لغضب الله من الإشراك به ، كما لا شئ أدخل في مرضاته من توحيده ، اللهم فكما أدخلتنا في أهل توحيدك فأدخلنا في الناجين من وعيدك ( ونزعنا ) وأخرجنا ( من كل أمة شهيدا ) وهو نبيهم لأن أنبياء الأمم شهداء عليهم يشهدون بما كانوا عليه