وما عند الله خير وأبقى أفلا يعقلون . أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه
متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين . ويوم يناديهم فيقول أين
شركائي الذين كنتم تزعمون . قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين
أغوينا أغويناهم كما غوينا .
شرح
ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون - فنص بقوله بظلم أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلما منه ،
وأن حاله في غناه وحكمته منافية للظلم دل على ذلك بحرف النفي مع لامه كما قال الله تعالى - وما كان الله ليضيع
إيمانكم - وأي شئ أصبتموه من أسباب الدنيا فما هو إلا تمتع وزينة أياما قلائل وهى مدة الحياة المتقضية ( وما عند
الله ) وهو ثوابه ( خير ) في نفسه من ذلك ( وأبقى ) لأن بقاءه دائم سرمد . وقرئ يعقلون بالياء وهو أبلغ في الموعظة .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الله خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصناف : المؤمن ، والمنافق ، والكافر ،
فالمؤمن يتزود ، والمنافق يتزين ، والكافر يتمتع . هذه الآية تقرير وإيضاح للتي قبلها . والوعد الحسن الثواب لأنه
منافع دائمة على وجه التعظيم والاستحقاق ، وأي شئ أحسن منها ولذلك سمى الله الجنة بالحسنى . ولا ( لاقيه ) كقوله
تعالى - ولقاهم نضرة وسرورا - وعكسه - فسوف يلقون غيا - ( من المحضرين ) من الذين أحضروا النار ، ونحوه
- لكنت من المحضرين - فكذبوه فإنهم لمحضرون - قيل نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى جهل ، وقيل
في علي وحمزة وأبى جهل . وقيل في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة . فإن قلت : فسر لي الفاءين وثم وأخبرني عن
مواقعها . قلت : قد ذكر في الآية التي قبلها متاع الحياة الدنيا وما عند الله وتفاوتهما ثم عقبه بقوله - أفمن وعدناه -
على معنى أبعد هذا التفاوت الظاهر يسوى بين أبناء الآخرة وأبناء الدنيا ، فهذا معنى القاء الأولى وبيان موقعها ،
وأما الثانية فللتسبيب لأن لقاء الموعود مسبب عن الوعد الذي هو الضمان في الخير ، وأما ثم فلتراخي حال الإحضار
عن حال التمتيع لا لتراخي وقته عن وقته . وقرئ ثم هو بسكون الهاء كما قيل عضد في عضد تشبيها للمنفصل بالمتصل
وسكون الهاء في فهو وهو ، ولهو أحسن لأن الحرف الواحد لا ينطق به وحده فهو كالمتصل ( شركائي ) مبنى على
زعمكم ، وفيه تهكم . فإن قلت : زعم يطلب مفعولين كقوله * ولم أزعمك عن ذاك معزلا * فأين هما ؟ قلت :
محذوفان تقديره : الذين كنتم تزعمونهم شركائي ، ويجوز حذف المفعولين في باب ظننت ولا يصح الاقتصار على
أحدهما ( الذين حق عليهم القول ) الشياطين أو أئمة الكفر ورؤوسه ، ومعنى حق عليهم القول : وجب عليهم
مقتضاه وثبت وهو قوله - لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين - و ( هؤلاء ) مبتدأ و ( الذين أغوينا ) صفته
والراجع إلى الموصوف محذوف ، و ( أغويناهم ) الخبر . والكاف صفة مصدر محذوف تقديره أغويناهم فغووا غيا