تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون . ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين . فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون . فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين . وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة
شرح
مثل ما غوينا : يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا لا أن فوقتا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء أو دعونا إلى الغى وسولوه لنا ، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلا لا قسرا وإلجاء ، فلا فرق إذا بين غينا وغيهم وإن كان تسويلنا داعيا لهم إلى الكفر ، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل وما بعث إليهم من الرسل وأنزل عليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد والمواعظ والزواجر ، وناهيك بذلك صارفا عن الكفر وداعيا إلى الإيمان وهذا معنى ما حكاه الله عن الشيطان - إن وعد الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم - والله تعالى قدم هذا المعنى أول شئ حيث قال لإبليس - إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين - ( تبرأنا إليك ) منهم ومما اختاروه من الكفر بأنفسهم هوى منهم للباطل ومقتا للحق لا بقوة منا على استكراههم ولا سلطان ( ما كانوا إيانا يعبدون ) إنما كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم ، وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى ( لو أنهم كانوا يهتدون ) لوجه من وجوه الحيل يدفعون به العذاب ، أو لو أنهم كانوا مهتدين مؤمنين لما رأوه ، أو تمنوا لو كانوا مهتدين ، أو تحيروا عند رؤيته وسدروا فلا يهتدون طريقا ، حكى أولا ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء ثم ما يقوله الشياطين أو أئمتهم عند توبيخهم ، لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة اعتذروا بأن الشياطين هم الذين استغووهم وزينوا لهم عبادتها ، ثم ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم ، ثم ما يبكتون به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل ( فعميت عليهم الأنباء ) فصارت الأنباء كالعمى عليهم لا تهتدى إليهم ( فهم لا يتساءلون ) لا يسأل بعضهم بعضا كما يتساءل الناس في المشكلات لأنهم يتساوون جميعا في عمى الأنباء عليهم والعجز عن الجواب . وقرئ فعميت . والمراد بالنبأ : الخبر عما أجاب به المرسل إليه رسوله ، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتتعتون في الجواب عن مثل هذا السؤال ويفوضون الأمر إلى علم الله وذلك قوله تعالى - يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب - فما ظنك بالضلال من أممهم ( فأما من تاب ) من المشركين من الشرك وجمع بين الإيمان والعمل الصالح ( فعسى أن ) يفلح عند الله ، وعسى من الكرام تحقيق ، ويجوز أن يراد ترجى التائب وطمعه كأنه قال : فليطمع أن يفلح . الخيرة من التخير كالطيرة من التطير تستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وبمعنى المتخير كقولهم : محمد خيرة الله من خلقه ( ما كان لهم الخيرة ) بيان لقوله ويختار لأن معناه : ويختار ما يشاء ، ولهذا لم يدخل العاطف ، والمعنى : أن الخيرة لله تعالى في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه . قيل السبب فيه قول الوليد بن المغيرة - لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم - يعنى لا يبعث الله الرسل باختيار المرسل إليهم . وقيل معناه : ويختار الذي لهم فيه الخيرة : أي يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح وهو