تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين . ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون . وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين . ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر .
شرح
ومعنى الخذلان منع الألطاف ، وإنما يمنعها من علم أنها لا تنفع فيه وهو المصمم على الكفر الذي لا تغنى عنه الآيات والنذر ، ومجراه مجرى الكناية لأن منع الألطاف يردف التصميم والغرض بذكره التصميم نفسه ، فكأنه قيل : صمموا على الكفر حتى كانوا أئمة فيه دعاة إليه وإلى سوء عاقبته . فإن قلت : فأي فائدة في ترك المردوف إلى الرادفة ؟ قلت : ذكر الرادفة يدل على وجود المردوف ، فيعلم وجود المردوف مع الدليل الشاهد بوجوده فيكون أقوى لإثباته من ذكره ، ألا ترى أنك تقول : لولا أنه مصمم على الكفر مقطوع أمره مثبوت حكمه لما منعت منه الألطاف ، فبذكر منع الألطاف يحصل العلم بوجود التصميم على الكفر وزيادة وهو قيام الحجة على وجوده ، وينصر هذا الوجه قوله - ويوم القيامة لا ينصرون - كأنه قيل : وخذلناهم في الدنيا وهم يوم القيامة مخذولون كما قال ( وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ) أي طردا وإبعادا عن الرحمة ( ويوم القيامة هم من المقبوحين ) أي من المطرودين المبعدين ( بصائر ) نصب على الحال ، والبصيرة نور القلوب الذي يستبصر به كما أن البصر نور العين الذي تبصر به ، يريد آتيناه التوراة أنوارا للقلوب لأنها كانت عمياء لا تستبصر ولا تعرف حقا من باطل وإرشادا لأنهم كانوا يخبطون في ضلال ( ورحمة ) لأنهم لو عملوا بها وصلوا إلى نيل الرحمة ( لعلهم يتذكرون ) إرادة أن يتذكروا شبهت الإرادة بالترجي فاستعير لها . ويجوز أن يراد به ترجى موسى عليه السلام لتذكرهم كقوله تعالى - لعله يتذكر - ( الغربي ) المكان الواقع في شق الغرب وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى عليه السلام من الطور وكتب الله له في الألواح . والأمر المقضى إلى موسى عليه السلام الوحي إليه والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : وما كنت حاضرا المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى عليه السلام ولا كنت ( من ) جملة ( الشاهدين ) للوحي إليه أو على الوحي إليه ، وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات حتى تقف من جهة المشاهدة على ما جرى من أمر موسى عليه السلام في ميقاته وكتبة التوراة له في الألواح وغير ذلك ، فإن قلت : كيف يتصل قوله ( ولكنا أنشأنا قرونا ) بهذا الكلام ومن أي وجه يكون استدراكا له ؟ قلت : اتصاله به وكونه استدراكا له من حيث إن معناه : ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قرونا كثيرة ( فتطاول ) على آخرهم وهو القرن الذي أنت فيهم ( العمر ) أي أمد انقطاع الوحي واندرست العلوم فوجب إرسالك إليهم فأرسلناك وكسيناك العلم بقصص