وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين . ولقد آتينا موسى
الكتاب من بعدد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم
يتذكرون . وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من
الشاهدين . ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر .
شرح
ومعنى الخذلان منع الألطاف ، وإنما يمنعها من علم أنها لا تنفع فيه وهو المصمم على الكفر الذي لا تغنى عنه الآيات
والنذر ، ومجراه مجرى الكناية لأن منع الألطاف يردف التصميم والغرض بذكره التصميم نفسه ، فكأنه قيل : صمموا
على الكفر حتى كانوا أئمة فيه دعاة إليه وإلى سوء عاقبته . فإن قلت : فأي فائدة في ترك المردوف إلى الرادفة ؟
قلت : ذكر الرادفة يدل على وجود المردوف ، فيعلم وجود المردوف مع الدليل الشاهد بوجوده فيكون أقوى
لإثباته من ذكره ، ألا ترى أنك تقول : لولا أنه مصمم على الكفر مقطوع أمره مثبوت حكمه لما منعت منه
الألطاف ، فبذكر منع الألطاف يحصل العلم بوجود التصميم على الكفر وزيادة وهو قيام الحجة على وجوده ،
وينصر هذا الوجه قوله - ويوم القيامة لا ينصرون - كأنه قيل : وخذلناهم في الدنيا وهم يوم القيامة مخذولون كما قال
( وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ) أي طردا وإبعادا عن الرحمة ( ويوم القيامة هم من المقبوحين ) أي من المطرودين
المبعدين ( بصائر ) نصب على الحال ، والبصيرة نور القلوب الذي يستبصر به كما أن البصر نور العين الذي تبصر به ،
يريد آتيناه التوراة أنوارا للقلوب لأنها كانت عمياء لا تستبصر ولا تعرف حقا من باطل وإرشادا لأنهم كانوا
يخبطون في ضلال ( ورحمة ) لأنهم لو عملوا بها وصلوا إلى نيل الرحمة ( لعلهم يتذكرون ) إرادة أن يتذكروا شبهت
الإرادة بالترجي فاستعير لها . ويجوز أن يراد به ترجى موسى عليه السلام لتذكرهم كقوله تعالى - لعله يتذكر -
( الغربي ) المكان الواقع في شق الغرب وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى عليه السلام من الطور وكتب الله
له في الألواح . والأمر المقضى إلى موسى عليه السلام الوحي إليه والخطاب لرسول الله صلى
الله عليه وسلم ، يقول : وما كنت حاضرا المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى عليه السلام ولا كنت ( من ) جملة
( الشاهدين ) للوحي إليه أو على الوحي إليه ، وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات حتى تقف من جهة المشاهدة على
ما جرى من أمر موسى عليه السلام في ميقاته وكتبة التوراة له في الألواح وغير ذلك ، فإن قلت : كيف يتصل
قوله ( ولكنا أنشأنا قرونا ) بهذا الكلام ومن أي وجه يكون استدراكا له ؟ قلت : اتصاله به وكونه استدراكا له
من حيث إن معناه : ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قرونا كثيرة ( فتطاول ) على آخرهم وهو القرن الذي
أنت فيهم ( العمر ) أي أمد انقطاع الوحي واندرست العلوم فوجب إرسالك إليهم فأرسلناك وكسيناك العلم بقصص