واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون . فأخذناه
وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين . وجعلناهم أئمة يدعون
إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون .
شرح
هذه العبارة أحسن طباقا لفصاحة القرآن وعلو طبقته وأشبه بكلام الجبابرة ، وأمر هامان وهو وزيره ورديفه بالإيقاد
على الطين منادى باسمه بيافى وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر . وعن عمر رضي الله عنه أنه حين سافر إلى الشأم ورأى
القصور المشيدة بالآجر فقال : ما علمت أن أحدا بنى بالآجر غير فرعون . والطلوع والاطلاع : الصعود ، يقال
طلع الجبل واطلع بمعنى . الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى وهو المتكبر على الحقيقة : أي المتبالغ في كبرياء الشأن ،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكى عن ربه " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما
ألقيته في النار " وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق ( يرجعون ) بالضم والفتح ( فأخذناه وجنوده فنبذناهم
في اليم ) من الكلام الفخم الذي دل به على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه ، شبههم استحقارا لهم واستقلالا لعددهم
وإن كانوا الكثير الكثير والجم الغفير بحصيات أخذهن آخذ في كفه فطرحهن في البحر ، ونحو ذلك قوله - وجعلنا
فيها رواسي شامخات - وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة - وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته
يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه - وما هي إلا تصويرات وتمثيلات لاقتداره وأن كل مقدور وإن عظم وجل
فهو مستصغر إلى جنب قدرته . فإن قلت : ما معنى قوله ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) ؟ قلت : معناه ودعوناهم
أئمة دعاة إلى النار وقلنا إنهم أئمة دعاة إلى النار ، كما يدعى خلفاء الحق أئمة دعاء إلى الجنة ، وهو من قولك جعله
بخيلا وفاسقا إذا دعاه وقال إنه بخيل وفاسق ، ويقول أهل اللغة في تفسير فسقه وبخله : جعله بخيلا وفاسقا ، ومنه
قوله تعالى - وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا - ومعنى دعوتهم إلى النار : دعوتهم إلى موجباتها من الكفر
والمعاصي ( ويوم القيامة لا ينصرون ) كما ينصر الأئمة الدعاة إلى الجنة ، ويجوز خذلناهم حتى كانوا أئمة الكفر ،