تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون . فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين . وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون .
شرح
هذه العبارة أحسن طباقا لفصاحة القرآن وعلو طبقته وأشبه بكلام الجبابرة ، وأمر هامان وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين منادى باسمه بيافى وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر . وعن عمر رضي الله عنه أنه حين سافر إلى الشأم ورأى القصور المشيدة بالآجر فقال : ما علمت أن أحدا بنى بالآجر غير فرعون . والطلوع والاطلاع : الصعود ، يقال طلع الجبل واطلع بمعنى . الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى وهو المتكبر على الحقيقة : أي المتبالغ في كبرياء الشأن ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكى عن ربه " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار " وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق ( يرجعون ) بالضم والفتح ( فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ) من الكلام الفخم الذي دل به على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه ، شبههم استحقارا لهم واستقلالا لعددهم وإن كانوا الكثير الكثير والجم الغفير بحصيات أخذهن آخذ في كفه فطرحهن في البحر ، ونحو ذلك قوله - وجعلنا فيها رواسي شامخات - وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة - وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه - وما هي إلا تصويرات وتمثيلات لاقتداره وأن كل مقدور وإن عظم وجل فهو مستصغر إلى جنب قدرته . فإن قلت : ما معنى قوله ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) ؟ قلت : معناه ودعوناهم أئمة دعاة إلى النار وقلنا إنهم أئمة دعاة إلى النار ، كما يدعى خلفاء الحق أئمة دعاء إلى الجنة ، وهو من قولك جعله بخيلا وفاسقا إذا دعاه وقال إنه بخيل وفاسق ، ويقول أهل اللغة في تفسير فسقه وبخله : جعله بخيلا وفاسقا ، ومنه قوله تعالى - وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا - ومعنى دعوتهم إلى النار : دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي ( ويوم القيامة لا ينصرون ) كما ينصر الأئمة الدعاة إلى الجنة ، ويجوز خذلناهم حتى كانوا أئمة الكفر ،
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 180 | الزمخشري