فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى أولم يكفروا بما أوتى
موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا
شرح
واد واحد ، والمعنى : ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولا ،
محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم ، يعنى أن إرسال الرسول إنما هو ليلزموا الحجة ولا يلزموها كقوله - لئلا
يكون للناس على الله حجة بعد الرسل - أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير - لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك -
فإن قلت : كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول لدخول حرف الامتناع
عليها دونه ؟ قلت : القول هو المقصود بأن يكون سببا لإرسال الرسل ، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول
وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال بواسطة القول فأدخلت عليها لولا ، وجئ بالقول
معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى السببية ويؤل معناه إلى قولك : ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا
ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة ، وهى أنهم لو لم يعاقبوا مثلا على كفرهم وقد عاينوا ما ألجئوا به إلى العلم اليقين
لم يقولوا - لولا أرسلت إلينا رسولا - وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من
الإيمان بخالقهم ، وفى هذا من الشهادة القوية على استحكام كفرهم ورسوخه فيهم ما لا يخفى كقوله تعالى - ولو
ردوا لعادوا لما نهوا عنه - ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كل عمل معبرا عنه باجتراح الأيدي وتقديم
الأيدي وإن كان من أعمال القلوب ، وهذا من الاتساع في الكلام وتصير الأقل تابعا للأكثر وتغليب الأكثر على
الأقل ( فلما جاءهم الحق ) وهو الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات وقطعت معاذيرهم وسد
طريق احتجاجهم ( قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى ) من الكتاب المنزل جملة واحدة ومن قلب العصا حية وفلق
البحر وغيرهما من الآيات ، فجاءوا بالاقتراحات المبنية على التعنت والعناد كما قالوا - لولا أنزل عليه كنز أو جاء
معه ملك - وما أشبه ذلك ( أو لم يكفروا ) يعنى أبناء جنسهم ومن مذهبهم مذهبهم وعنادهم وهم الكفرة في
زمن موسى عليه السلام ( بما أوتى موسى ) وعن الحسن رحمه الله : قد كان للعرب أصل في أيام موسى عليه
السلام ، فمعناه على هذا أو لم يكفر آباؤهم ( قالوا ) في موسى وهارون ( ساحران تظاهرا ) أي تعاونا ، وقرئ اظاهرا