تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى أولم يكفروا بما أوتى موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا
شرح
واد واحد ، والمعنى : ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولا ، محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم ، يعنى أن إرسال الرسول إنما هو ليلزموا الحجة ولا يلزموها كقوله - لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل - أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير - لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك - فإن قلت : كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول لدخول حرف الامتناع عليها دونه ؟ قلت : القول هو المقصود بأن يكون سببا لإرسال الرسل ، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال بواسطة القول فأدخلت عليها لولا ، وجئ بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى السببية ويؤل معناه إلى قولك : ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة ، وهى أنهم لو لم يعاقبوا مثلا على كفرهم وقد عاينوا ما ألجئوا به إلى العلم اليقين لم يقولوا - لولا أرسلت إلينا رسولا - وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم ، وفى هذا من الشهادة القوية على استحكام كفرهم ورسوخه فيهم ما لا يخفى كقوله تعالى - ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه - ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كل عمل معبرا عنه باجتراح الأيدي وتقديم الأيدي وإن كان من أعمال القلوب ، وهذا من الاتساع في الكلام وتصير الأقل تابعا للأكثر وتغليب الأكثر على الأقل ( فلما جاءهم الحق ) وهو الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات وقطعت معاذيرهم وسد طريق احتجاجهم ( قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى ) من الكتاب المنزل جملة واحدة ومن قلب العصا حية وفلق البحر وغيرهما من الآيات ، فجاءوا بالاقتراحات المبنية على التعنت والعناد كما قالوا - لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك - وما أشبه ذلك ( أو لم يكفروا ) يعنى أبناء جنسهم ومن مذهبهم مذهبهم وعنادهم وهم الكفرة في زمن موسى عليه السلام ( بما أوتى موسى ) وعن الحسن رحمه الله : قد كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام ، فمعناه على هذا أو لم يكفر آباؤهم ( قالوا ) في موسى وهارون ( ساحران تظاهرا ) أي تعاونا ، وقرئ اظاهرا
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 183 | الزمخشري