قالت كأنه هو ، وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين . وصدها ما كانت تعبد
من دون الله إنها كانت من قوم كافرين .
شرح
المعجزة البينة من تقدم عرشها وقد خلفته وأغلقت عليه الأبواب ونصبت عليه الحراس . هكذا ثلاث كلمات
حرف التنبيه وكاف التشبيه واسم الإشارة لم يقل أهذا عرشك ولكن أمثل هذا عرشك ، لئلا يكون تلقينا ف ( قالت )
كأنه هو ) ولم تقل هو هو ولا ليس ، وذلك من رجاحة عقلها في المحتمل ( وأوتينا العلم ) من كلام سليمان وملئه
فإن قلت : علام عطف هذا الكلام وبم اتصل ؟ قلت : لما كان المقام الذي سئلت فيه عن عرشها وأجابت بما
أجابت به مقاما أجرى فيه سليمان وملؤه ما يناسب قولهم - وأوتينا العلم - نحو أن يقولوا عند قولها كأنه هو : قد
أصابت في جوابها وطبقت المفصل وهى عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة النبوة بالآيات
التي تقدمت عند وفدة المنذر ، وبهذه الآية العجيبة من أمر عرشها عطفوا على ذلك قولهم : وأوتينا نحن العلم بالله
وبقدرته وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام شكرا لله على فضلهم عليها وسبقهم إلى
العلم بالله والإسلام قبلها ( وصدها ) عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشؤها بين ظهراني الكفرة . ويجوز
أن يكون من كلام بلقيس موصولا بقولها كأنه هو ، والمعنى : وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان
عليه السلام قبل هذه المعجزة أو قبل هذه الحالة : تعنى ما تبينت من الآيات عند وفاة المنذر ودخلنا في الإسلام ،
ثم قال الله تعالى : وصدها قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل . وقيل وصدها الله أو سليمان عما كانت
تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل . وقرئ أنها بالفتح على أنه بدل من فاعل صد أو بمعنى لأنها . الصرح :
القصر ، وقيل صحن الدار . وقرأ ابن كثير سأقيها بالهمز ، ووجهه أنه سمع سؤقا فأجرى عليه الواحد . والممرد
المملس . وروى أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصر من زجاج أبيض وأجرى من
تحته الماء وألقى فيه من دواب البحر السمك وغيره ، ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكف عليه الطير
والجن والإنس ، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاما لأمره وتحققا لنبوته وثباتا على الدين وزعموا أن الجن كرهوا أن
يتزوجها فتفضى إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية . وقيل خافوا أن يولد له منها ولد تجتمع له فطنة الجن
والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد وأفظع فقالوا له : إن في عقلها شيئا وهى شعراء الساقين
ورجلها كحافر الحمار ، فاختبر عقلها بتنكير العرش ، واتخذ الصرح ليتعرف ساقها ورجلها فكشفت عنهما فإذا هي