تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
قالت كأنه هو ، وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين . وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين .
شرح
المعجزة البينة من تقدم عرشها وقد خلفته وأغلقت عليه الأبواب ونصبت عليه الحراس . هكذا ثلاث كلمات حرف التنبيه وكاف التشبيه واسم الإشارة لم يقل أهذا عرشك ولكن أمثل هذا عرشك ، لئلا يكون تلقينا ف‍ ( قالت ) كأنه هو ) ولم تقل هو هو ولا ليس ، وذلك من رجاحة عقلها في المحتمل ( وأوتينا العلم ) من كلام سليمان وملئه فإن قلت : علام عطف هذا الكلام وبم اتصل ؟ قلت : لما كان المقام الذي سئلت فيه عن عرشها وأجابت بما أجابت به مقاما أجرى فيه سليمان وملؤه ما يناسب قولهم - وأوتينا العلم - نحو أن يقولوا عند قولها كأنه هو : قد أصابت في جوابها وطبقت المفصل وهى عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة النبوة بالآيات التي تقدمت عند وفدة المنذر ، وبهذه الآية العجيبة من أمر عرشها عطفوا على ذلك قولهم : وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام شكرا لله على فضلهم عليها وسبقهم إلى العلم بالله والإسلام قبلها ( وصدها ) عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشؤها بين ظهراني الكفرة . ويجوز أن يكون من كلام بلقيس موصولا بقولها كأنه هو ، والمعنى : وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان عليه السلام قبل هذه المعجزة أو قبل هذه الحالة : تعنى ما تبينت من الآيات عند وفاة المنذر ودخلنا في الإسلام ، ثم قال الله تعالى : وصدها قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل . وقيل وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل . وقرئ أنها بالفتح على أنه بدل من فاعل صد أو بمعنى لأنها . الصرح : القصر ، وقيل صحن الدار . وقرأ ابن كثير سأقيها بالهمز ، ووجهه أنه سمع سؤقا فأجرى عليه الواحد . والممرد المملس . وروى أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصر من زجاج أبيض وأجرى من تحته الماء وألقى فيه من دواب البحر السمك وغيره ، ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس ، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاما لأمره وتحققا لنبوته وثباتا على الدين وزعموا أن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضى إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية . وقيل خافوا أن يولد له منها ولد تجتمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد وأفظع فقالوا له : إن في عقلها شيئا وهى شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار ، فاختبر عقلها بتنكير العرش ، واتخذ الصرح ليتعرف ساقها ورجلها فكشفت عنهما فإذا هي
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 150 | الزمخشري