ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون . فانظر كيف كان عاقبة مكرهم
إنا دمرناهم وقومهم أجمعين . فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية
لقوم يعلمون . وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون . ولوطا إذ قال لقومه أتأتون
الفاحشة وأنتم تبصرون . أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم
قوم تجهلون .
شرح
الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم ، ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم بأن يكونوا
كاذبين حتى سووا للصدق في خيرهم حيلة يتفصون بها عن الكذب . مكرهم : ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح
عليه السلام وأهله ، ومكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون ، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة . روى أنه
كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلى فيه فقالوا : زعم صالح عليه السلام أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن
نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث ، فخرجوا إلى الشعب وقالوا : إذا جاء يصلى قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم
فبعث الله صخرة من الهضب حيالهم فبادروا ، فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا
ما فعل بقومهم وعذب الله كلا منهم في مكانه ونجى صالحا ومن معه . وقيل جاءوا بالليل شاهري سيوفهم وقد
أرسل الله الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة ، يرون الحجارة ولا يرون راميا ( إنا دمرناهم ) استئناف
ومن قرأ بالفتح رفعه بدلا من العاقبة ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هي تدميرهم : أو نصبه على معنى لأنا أو على
أنه خبر كان : أي كان عاقبة مكرهم الدمار ( خاوية ) حال عمل فيها ما دل عليه تلك ، وقرأ عيسى بن عمر خاوية
بالرفع على خبر المبتدأ المحذوف . ( و ) أذكر ( لوطا ) أو أرسلنا لوطا لدلالة " ولقد أرسلنا " عليه . وإذ بدل على
الأول ظرف على الثاني ( وأنتم تبصرون ) من بصر القلب : أي تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها ، وأن الله إنما
خلق الأنثى للذكر ولم يخلق الذكر للذكر ولا الأنثى للأنثى فهي مضادة لله في حكمته ، وعلمكم بذلك أعظم
لذنوبكم وأدخل في القبح والسماجة . وفيه دليل على أن القبيح من الله أقبح من عباده لأنه أعلم العالمين وأحكم
الحاكمين ، أو تبصرونها بعضكم من بعض لأنهم كانوا في ناديهم يرتكبونها معالنين بها لا يتستر بعضهم من
بعض خلاعة ومجانة وانهما كافي المعصية ، وكأن أبا نواس بنى على مذهبهم قوله :
وبح باسم ما تأتى وذرني من الكنى * فلا خير في اللذات من دونها ستر
أو تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم . فإن قلت : فسرت تبصرون بالعلم وبعده ( بل أنتم قوم تجهلون )
فكيف يكونون علماء جهلا ؟ قلت : أراد تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك ، أو تجهلون
العاقبة ، أو أراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها . فإن قلت : تجهلون صفة لقوم والموصوف لفظه لفظ
الغائب فهلا طابقت الصفة الموصوف فقرئ بالياء دون التاء وكذلك بل أنتم قوم تفتنون ؟ قلت : اجتمعت الغيبة
والمخاطبة فغلبت المخاطبة لأنها أقوى وأرسخ أصلا من الغيبة . وقرأ الأعمش جواب قومه بالرفغ والمشهورة أحسن