تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون . وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ، فلما جاء سليمان قال أتمدونني
شرح
أشاروا عليها بالقتال أو أرادوا نحن من أبناء الحرب ، لا من أبناء الرأي والمشورة ، وأنت ذات الرأي والتدبير فانظري ماذا ترين نتبع رأيك . لما أحست منهم الميل إلى المحاربة رأت من الرأي الميل إلى الصلح والابتداء بما هو أحسن ورتبت الجواب ، فزيفت أولا ما ذكروه وأرتهم الخطأ فيه ( إن الملوك إذا دخلوا قرية ) عنوة وقهرا ( أفسدوها ) أي خربوها . ومن ثمة قالوا للفساد الخربة . وأذلوا أعزتها وأهانوا أشرافها وقتلوا وأسروا ، فذكرت لهم عاقبة الحرب وسوء مغبتها ثم قالت ( وكذلك يفعلون ) أرادت وهذه عادتهم المستمرة الثابتة التي لا تتغير ، لأنها كانت في بيت الملك القديم فسمعت نحو ذلك ورأت ، ثم ذكرت بعد ذلك حديث الهدية وما رأت من الرأي السديد وقيل هو تصديق من الله لقولها وقد يتعلق الساعون في الأرض بالفساد بهذه الآية ويجعلونها حجة لأنفسهم ، ومن استباح حراما فقد كفر فإذا احتج له بالقرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين ( مرسلة إليهم بهدية ) أي مرسلة رسلا بهدية أصانعه بها عن ملكي ( فناظرة ) ما يكون منه حتى أعمل على حسب ذلك ، فروى أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر ، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان ، وألف لبنة من ذهب وفضة ، وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع والمسك والعنبر ، وحقا فيه درة عذراء وجزعة ، معوجة الثقب ، وبعثت رجلين من أشراف قومها : المنذر بن عمرو وآخر ذا رأى وعقل ، وقالت : إن كان نبيا ميز بين الغلمان والجواري ، وثقب الدرة ثقبا مستويا وسلك في الخرزة خيطا ثم قالت للمنذر : إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك ، وإن رأيته بشا لطيفا فهو نبي . فأقبل الهدهد فأخبر سليمان ، فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ ، وجعلوا حول الميدان حائطا شرفه من الذهب والفضة ، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبن ، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين واليسار ، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه ، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ والإنس صفوفا فراسخ ، والوحش والسباع والهوام والطيور كذلك ، فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب تروث على اللبن ، فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم ، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال ما وراءكم ؟ وقال : أين الحق ؟ وأخبره جبريل عليه السلام بما فيه فقال لهم : إن فيه كذا وكذا : ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت فيها فجعل رزقها في الشجرة ، وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت فيها فجعل رزقها في الفواكه ، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها ، والغلام كما يأخذه بضرب به وجهه ، ثم رد الهدية وقال للمنذر : ارجع إليهم ، فقالت : هو نبي وما لنا به طاقة ، فشخصت إليه في اثنى عشر ألف قيل تحت كل قيل ألوف . وفى قراءة ابن مسعود رضي الله عنه : فلما جاءوا ( أتمدونني ) وقرئ بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة وبالإدغام كقوله - أتحاجوني - وبنون واحدة أتمدوني . والهدية اسم المهدى كما أن العطية اسم المعطى ، فتضاف إلى المهدى والمهدى إليه تقول : هذه هدية فلان ، تريد هي التي أهداها
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 147 | الزمخشري