قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون .
وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ، فلما جاء سليمان قال أتمدونني
شرح
أشاروا عليها بالقتال أو أرادوا نحن من أبناء الحرب ، لا من أبناء الرأي والمشورة ، وأنت ذات الرأي والتدبير
فانظري ماذا ترين نتبع رأيك . لما أحست منهم الميل إلى المحاربة رأت من الرأي الميل إلى الصلح والابتداء بما هو
أحسن ورتبت الجواب ، فزيفت أولا ما ذكروه وأرتهم الخطأ فيه ( إن الملوك إذا دخلوا قرية ) عنوة وقهرا
( أفسدوها ) أي خربوها . ومن ثمة قالوا للفساد الخربة . وأذلوا أعزتها وأهانوا أشرافها وقتلوا وأسروا ، فذكرت
لهم عاقبة الحرب وسوء مغبتها ثم قالت ( وكذلك يفعلون ) أرادت وهذه عادتهم المستمرة الثابتة التي لا تتغير ، لأنها
كانت في بيت الملك القديم فسمعت نحو ذلك ورأت ، ثم ذكرت بعد ذلك حديث الهدية وما رأت من الرأي السديد
وقيل هو تصديق من الله لقولها وقد يتعلق الساعون في الأرض بالفساد بهذه الآية ويجعلونها حجة لأنفسهم ، ومن
استباح حراما فقد كفر فإذا احتج له بالقرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين ( مرسلة إليهم بهدية ) أي
مرسلة رسلا بهدية أصانعه بها عن ملكي ( فناظرة ) ما يكون منه حتى أعمل على حسب ذلك ، فروى أنها بعثت
خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج محلاة اللجم
والسروج بالذهب المرصع بالجواهر ، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان ، وألف لبنة من ذهب وفضة ،
وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع والمسك والعنبر ، وحقا فيه درة عذراء وجزعة ، معوجة الثقب ، وبعثت
رجلين من أشراف قومها : المنذر بن عمرو وآخر ذا رأى وعقل ، وقالت : إن كان نبيا ميز بين الغلمان
والجواري ، وثقب الدرة ثقبا مستويا وسلك في الخرزة خيطا ثم قالت للمنذر : إن نظر إليك نظر غضبان فهو
ملك فلا يهولنك ، وإن رأيته بشا لطيفا فهو نبي . فأقبل الهدهد فأخبر سليمان ، فأمر الجن فضربوا لبن الذهب
والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ ، وجعلوا حول الميدان حائطا شرفه من الذهب والفضة ،
وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبن ، وأمر بأولاد الجن وهم خلق
كثير فأقيموا عن اليمين واليسار ، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه ، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ
والإنس صفوفا فراسخ ، والوحش والسباع والهوام والطيور كذلك ، فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب
تروث على اللبن ، فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم ، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال
ما وراءكم ؟ وقال : أين الحق ؟ وأخبره جبريل عليه السلام بما فيه فقال لهم : إن فيه كذا وكذا : ثم أمر الأرضة
فأخذت شعرة ونفذت فيها فجعل رزقها في الشجرة ، وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت فيها فجعل رزقها
في الفواكه ، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها ، والغلام كما
يأخذه بضرب به وجهه ، ثم رد الهدية وقال للمنذر : ارجع إليهم ، فقالت : هو نبي وما لنا به طاقة ، فشخصت
إليه في اثنى عشر ألف قيل تحت كل قيل ألوف . وفى قراءة ابن مسعود رضي الله عنه : فلما جاءوا ( أتمدونني )
وقرئ بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة وبالإدغام كقوله - أتحاجوني - وبنون واحدة أتمدوني . والهدية اسم المهدى
كما أن العطية اسم المعطى ، فتضاف إلى المهدى والمهدى إليه تقول : هذه هدية فلان ، تريد هي التي أهداها