في ما هاهنا آمنين . في جنات وعيون . وزروع ونخل طلعها هضيم . وتنحتون
من الجبال بيوتا فرهين . فاتقوا الله وأطيعون . ولا تطيعوا أمر المسرفين . الذين
يفسدون في الأرض ولا يصلحون . قالوا إنما أنت من المسحرين . ما أنت إلا
بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين . قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم . ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم .
شرح
في تخلية الله إياهم وما يتنعمون فيه من الجنات وغير ذلك مع الأمن والدعة ( فيما ههنا ) في الذي استقر في هذا المكان
من النعيم ، ثم فسره بقوله ( في جنات وعيون ) وهذا أيضا إجمال ثم تفصيل . فإن قلت : لم قال ( ونخل ) بعد قوله
في جنات والجنة تتناول النخل أول شئ كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج حتى إنهم ليذكرون الجنة
ولا يقصدون إلا النخيل ، كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل ، قال زهير : تسقى جنة سحقا . قلت : فيه
وجهان : أن يخص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيها على انفراده عنها بفضله عليها ، وأن يريد
بالجنات غيرها من الشجر لأن اللفظ يصلح لذلك ثم يعطف عليها النخل . الطلعة هي التي تطلع من النخلة كنصل
السيف في جوفه شماريخ القنو ، والقنو : اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه وشماريخه . والهضيم : اللطيف
الضامر من قولهم كشح هضيم ، وطلع إناث النخل فيه لطف ، وفى طلع الفحاحيل جفاء ، وكذلك طلع البرنى
ألطف من طلع اللون ، فذكرهم نعمة الله في أن وهب لهم أجود النخل وأنفعه ، لأن الإناث ولادة التمر والبرني
أجود التمر وأطيبه . ويجوز أن يريد أن نخيلهم أصابت جودة المنابت وسعة الماء وسلمت من العاهات فحملت
الحمل الكثير ، وإذا كثر الحمل هضم وإذا قل جاء فاخرا . وقيل الهضيم : اللين النضيج ، كأنه قال : ونخل قد
أرطب ثمرة . قرأ الحسن وتنحتون بفتح الحاء . وقرئ فرهين وفارهين . والفراهة الكيس والنشاط ، ومنه خيل
فرهة . أستعير لامتثال الأمر وارتسامه طاعة الآمر المطاع ، أو جعل الأمر مطاعا على المجاز الحكمي والمراد الآمر ،
ومنه قولهم لك على إمرة مطاعة وقوله تعالى - وأطيعوا أمري - فإن قلت : ما فائدة قوله ( ولا يصلحون ) ؟ قلت :
فائدته أن فسادهم فساد مصمت ليس معه شئ من الصلاح كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح
المسحر الذي سحر كثيرا حتى غلب على عقله . وقيل هو من السحر الرئة وأنه بشر . الشرب النصيب من الماء نحو
السقي وألقيت للخط من السقي والقوت ، وقرئ بالضم . روى أنهم قالوا نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة
فتلد سقبا ، فقعد صالح يتفكر فقال له جبريل عليه السلام : صل ركعتين وسل ربك الناقة ففعل ، فخرجت
الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت سقبا مثلها في العظم . وعن أبي موسى : رأيت مصدرها فإذا هو ستون ذراعا .
وعن قتادة : إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله ولهم شرب يوم لا تشرب فيه الماء ( بسوء ) بضرب أو عقر أو
غير ذلك . عظم اليوم لحلول العذاب فيه ، ووصف اليوم به أبلغ من وصف العذاب لأن الوقت إذا عظم بسببه
كان موقعه من العظم أشد . وروى أن مسطعا ألجأها إلى مضيق في شعب فرماها بسهم فأصاب رجلها فسقطت ثم
ضربها قدار . وروى أن عاقرها قال : لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين ، فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها