تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون . وإذا بطشتم بطشتم جبارين . فاتقوا الله وأطيعون . واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون . أمدكم بأنعام وبنين . وجنات وعيون . إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم . قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين . إن هذا إلا خلق الأولين . وما نحن بمعذبين . فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم . كذبت ثمود المرسلين . إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون . إني لكم رسول أمين . فاتقوا الله وأطيعون . وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين . أتتركون
شرح
والمصانع : مآخذ الماء ، وقيل القصور المشيدة والحصون ( لعلكم تخلدون ) ترجون الخلود في الدنيا أو تشبه حالكم حال من يخلد ، وفى حرف أبى كأنكم ، وقرئ تخلدون بضم التاء مخففا ومشددا ( وإذا بطشتم ) بسوط أو سيف . كان ذلك ظلما وعلوا . وقيل الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب . وعن الحسن : تبادرون تعجيل العذاب لا تتثبتون متفكرين في العواقب . بالغ في تنبيههم على نعم الله حيث أجملها ثم فصلها متشهدا بعلمهم ، وذلك أنه أيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حين قال ( أمدكم بما تعلمون ) ثم عددها عليهم وعرفهم المنعم بتعديد ما يعلمون من نعمته وأنه كما قدر أن يتفضل عليكم بهذه النعمة فهو قادر على على الثواب والعقاب فاتقوه ، ونحوه قوله تعالى - ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد - فإن قلت : كيف قرن البنين بالأنعام ؟ قلت : هم الذين يعينونهم على حفظها والقيام عليها : فإن قلت : لو قيل ( أو عظت ) أم لم تعظ كان أخصر والمعنى واحد . قلت : ليس المعنى بواحد وبينهما فرق ، لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلا من أهله ومباشريه فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ . من قرأ خلق الأولين بالفتح فمعناه : أن ما جئت به اختلاق الأولين وتخرصهم كما قالوا أساطير الأولين ، أو ما خلقنا هذا إلا خلق القرون الخالية نحيا كما حيوا ونموت كما ماتوا ولا بعث ولا حساب . ومن قرأ خلق بضمتين وبواحدة فمعناه : ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين وعادتهم ، كانوا يدينونه ويعتقدونه ونحن بهم مقتدون ، أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة لم يزل عليها الناس في قديم الدهر ، أو ما هذا الذي جئت به من الكذب إلا عادة الأولين كانوا يلفقون مثله ويسطرونه ( أتتركون ) يجوز أن يكون إنكارا لأن يتركوا مخلدين في نعيمهم لا يزالون عنه ، وأن يكون تذكيرا بالنعمة