فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الانعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من
الأوثان واجتنبوا قول الزور . حنفاء لله غير مشركين به . ومن يشرك بالله فكأنما
خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق .
شرح
وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها ، فيحتمل أن يكون عاما في جميع تكاليفه ، ويحتمل
أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج . وعن زيد بن أسلم : الحرمات خمس : الكعبة الحرام ، والمسجد الحرام ، والبلد
الحرام ، والشهر الحرام ، والمحرم حتى يحل ( فهو خير له ) أي فالتعظيم خير له ، ومعنى التعظيم العلم بأنها واجبة
المراعاة والحفظ والقيام بمراعاتها . المتلو لا يستثنى من الانعام ، ولكن المعنى ( إلا ما يتلى عليكم ) آية تحريمه وذلك
قوله في سورة المائدة - حرمت عليكم الميتة والدم - والمعنى : أن الله قد أحل لكم الانعام كلها إلا ما استثناه في
كتابه فحافظوا على حدوده ، وإياكم أن تحرموا مما أحل شيئا كتحريم عبدة الأوثان البحيرة والسائبة وغير ذلك
وأن تحلوا مما حرم الله كإحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك . لما حث على تعظيم حرماته وأحمد من يعظمها
أتبعه الامر باجتناب الأوثان وقول الزور ، لان توحيد الله ونفى الشركاء عنه وصدق القول أعظم الحرمات وأسبقها
خطوا وجمع الشرك وقول الزور في قران واحد ، وذلك أن الشرك من باب الزور لان المشرك زاعم أن الوثن تحق له
العبادة فكأنه قال : فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور ، واجتنبوا قول الزور كله لا تقربوا شيئا منه لتماديه
في القبح والسماجة ، ما ظنك بشئ عن قبيلة عبادة الأوثان . وسمى الأوثان رجسا وكذلك الخمر والميسر والأزلام :
على طريق التشبيه ، يعنى أنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبونه فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء مثل
تلك النفرة ، ونبه على هذا المعنى بقوله - رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه - جعلت العلة في اجتنابه أنه رجس والرجس
مجتنب ( من الأوثان ) بيان للرجس وتمييز له كقولك عندي عشرون من الدراهم ، لان الرجس مبهم يتناول غير
شئ كأنه قيل فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان . والزور من الزور والازورار وهو الانحراف ، كما أن الإفك
من أفكه إذا صرفه ، وقيل قول الزور قولهم هذا حلال وهذا حرام وما أشبه ذلك من افترائهم . وقيل شهادة الزور .
عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه صلى الصبح فلما سلم قام قائما واستقبل الناس بوجهه وقال : عدلت شهادة الزور
الاشراك بالله ، عدلت شهادة الزور الاشراك بالله ، عدلت شهادة الزور الاشراك بالله ، وتلا هذه الآية " وقيل
الكذب والبهتان . وقيل قول أهل الجاهلية في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك . يجوز
في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق ، فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال : من أشرك بالله فقد أهلك نفسه
إهلاكا ليس بعده نهاية بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق مزعا في حواصلها ،
أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة ، وإن كان مفرقا فقد شبه الايمان في علوه بالسماء ،