وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق .
ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام
فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا
بالبيت العتيق . ذلك ومن يعظم حرمات الله .
شرح
وقرئ يشرك بالياء على الغيبة ( وأذن في الناس ) ناد فيهم ، وقرأ ابن محيصن وآذن . والنداء بالحج أن يقول : حجوا
أو عليكم بالحج . وروى أنه صعد أبا قبيس فقال : يا أيها الناس حجوا بيت ربكم ، وعن الحسن أنه خطاب لرسول
الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع ( رجالا ) مشاة جمع راجل كقائم وقايم . وقرئ رجالا
بضم الراء مخفف الجيم ومثقله ورجالي كعجلي عن ابن عباس ( وعلى كل ضامر ) حال معطوفة على حال كأنه قال
رجالا وركبانا ( يأتين ) صفة لكل ضامر لأنه في معنى الجمع . وقرئ يأتون صفة للرجال والركبان . والعميق
البعيد . قرأ ابن مسعود معيق ، يقال بئر بعيدة العمق والمعق . نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة
دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات . وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه كان يفاضل بين العبادات قبل أن يحج ،
فلما حج فضل الحج على العبادات كلها لما شاهد من تلك الخصائص . وكنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله ،
لان أهل الاسلام لا ينفكون عن ذلك اسمه إذا نحروا أو ذبحوا ، وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب به إلى
الله أن يذكر اسمه ، وقد حسن الكلام تحسينا بينا أن جمع بين قوله - ليذكروا اسم الله - وقوله - على ما رزقهم -
ولو قيل لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام لم تر شيئا من ذلك الحسن والروعة الأيام المعلومات : أيام العشر
عند أبي حنيفة ، وهو قوله الحسن وقتادة ، وعند صاحبيه أيام النحر . البهمية مبهمة في كل ذات أربع في البر
والبحر ، فبينت بالانعام وهى الإبل والبقر والضأن والمعز الامر بالاكل منها أمر إباحة لان أهل الجاهلية كانوا
لا يأكلون من نسائكهم . ويجوز أن يكون ندبا لما فيه من مساواة الفقراء ومواساتهم ومن استعمال التواضع ، ومن
ثمة استحب الفقهاء أن يأكل الموسع من أضحيته مقدار الثلث . وعن ابن مسعود أنه بعث بهدى وقال فيه : إذا
نحرته فكل وتصدق وابعث منه إلى عتبة : يعنى ابنه . وفى الحديث " كلوا وادخروا وائتجروا " ( البائس ) الذي
أصابه بؤس أي شدة . و ( الفقير ) الذي أضعفه الاعسار . قضاء التفث : قص الشارب والأظفار ونتف الإبط
والاستحداد ، والتفث : الوصخ ، فالمراد قضاء إزالة التفث : وقرئ وليوفوا بتشديد الفاء ( نذورهم ) مواجب
حجهم أو ما عسى ينذرونه من أعمال البر في حجهم ( وليطوفوا ) طاف الإفاضة وهو طواف الزيارة الذي هو
من أركان الحجر ويقع به تمام التحلل . وقيل طواف الصدر وهو طواف الوداع ( العتيق ) القديم لأنه أول بيت
وضع للناس عن الحسن . وعن قتادة : أعتق من الجبابرة كم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله . وعن مجاهد :
لم يملك قط . وعنه : أعتق من الغرق ، وقيل بيت كريم من قولهم عتاق الخيل والطير . فإن قلت : قد تسلط عليه
الحجاج فلم يمنع . قلت : ما قصد التسلط على البيت ، وإنما تحصن به ابن الزبير فاحتال لاخراجه ثم بناه ، ولما
قصد التسلط عليه أبرهة فعل به ما فعل ( ذلك ) خبر مبتدأ محذوف : أي الامر والشأن ذلك كما يقدم الكاتب جملة
من كتابه في بعض المعاني ، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا وقد كان كذا . والحرمة مالا يحل هتكه ،