وإن ربك لهو العزيز الرحيم . واتل عليهم نبأ إبراهيم . إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون .
قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين . قال هل يسمعونكم إذ تدعون . أو ينفعونكم
أو يضرون . قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون . قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون .
أنتم وآباؤكم الأقدمون . فإنهم عدو لي .
شرح
آمن بالله . وبنو إسرائيل الذين كانوا أصحاب موسى المخصوصين بالإنجاء قد سألوه بقرة يعبدونها واتخذوا العجل
وطلبوا رؤية الله جهرة ( وإن ربك لهو العزيز ) المنتقم من أعدائه ( الرحيم ) بأوليائه . كان إبراهيم عليه السلام يعلم
أنهم عبدة أصنام ، ولكنه سألهم ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شئ كما تقول للتاجر ما مالك
وأنت تعلم أن ماله الرقيق ، ثم تقول له الرقيق جمال وليس بمال . فإن قلت : ( ما تعبدون ) سؤال عن المعبود فحسب
فكان القياس أن يقولوا أصناما كقوله تعالى - ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو - ماذا قال ربكم قالوا الحق - ماذا
أنزل ربكم قالوا خيرا - قلت هؤلاء قد جاءوا بقصة أمرهم كاملة كالمبتهجين بها والمفتخرين ، فاشتملت على
جواب إبراهيم وعلى ما قصدوه من إظهار ما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار ، ألا تراهم كيف عطفوا على قولهم
نعبد ( فنظل لها عاكفين ) ولم يقتصروا على زيادة نعبد وحده ، ومثاله أن تقول لبعض الشطار : ما تلبس في
بلادك ؟ فيقول : ألبس البرد الأتحمي فأجر ذيله بين جواري الحي . وإنما قالوا نظل لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار
دون الليل . لابد في ( يسمعونكم ) من تقدير حذف المضاف معناه : هل يسمعون دعاءكم . وقرأ قتادة يسمعونكم :
أي هل يسمعونكم الجواب عن دعائكم وهل يقدرون على ذلك ؟ وجاء مضارعا مع إيقاعه في إذ على حكاية الحال
الماضية ، ومعناه استحضروا الأحوال الماضية التي كنتم تدعونها فيها وقولوا هل سمعوا أو أسمعوا قط ، وهذا
أبلغ في التبكيت . لما أجابوه بجواب المقلدين لآبائهم قال لهم : رقوا أمر تقليدكم هذا إلى أقصى غاياته وهى عبادة
الأقدمين الأولين من آبائكم ، فإن التقدم والأولية لا يكون برهانا على الصحة والباطل لا ينقلب حقا بالقدم وما
عبادة من عبد هذه الإصنام إلا عبادة أعداء له ، ومعنى العداوة قوله تعالى - كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون
عليهم ضدا - ولأن المغرى على عبادتها أعدى أعداء الإنسان وهو الشيطان ، وإنما قال ( عدو لي ) تصويرا للمسألة
في نفسه على معنى إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو فاجتنبتها وآثرت عبادة من الخير كله منه ،
وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسه أولا وبنى عليها تدبير أمره لينظروا فيقولوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح
به نفسه ، وما أراد لنا إلا ما أراد لروحه ليكون أدعى لهم إلى القبول وأبعث على الاستماع منه ، ولو قال : فإنه
عدو لكم لم يكن بتلك المثابة ، ولأنه دخل في باب من التعريض ، وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح
لأنه يتأمل فيه ، فربما قاده التأمل إلى التقبل . ومنه ما يحكى عن الشافعي رضى الله تعالى عنه أن رجلا واجهه بشئ
فقال : لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب . وسمع رجل ناسا يتحدثون في الحجر فقال : ما هو ببيتي ولا ببيتكم
والعدو والصديق يجيئان في معنى الوحدة والجماعة ، قال :
وقوم على ذوي مئرة * أراهم عدوا وكانوا صديقا