تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين . قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون . فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون . فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون . فألقى السحرة ساجدين . قالوا آمنا برب العالمين . رب موسى وهارون . قال أأمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين . قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون . إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين * وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون . فأرسل فرعون في المدائن حاشرين .
شرح
حتى يقسم برأس سلطانه ، فإذا أقسم به فتلك عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف ( ما يأفكون ) ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم ويزورونه فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حياة تسعى بالتمويه على الناظرين أو إفكهم ، سمى تلك الأشياء إفكا مبالغة . روى أنهم قالوا : إن يك ما جاء به موسى سحرا فلن يغلب ، وإن كان من عند الله فلن يخفى علينا ، فلما قذف عصاه فتلقف ما أتوا به علموا أنه من الله فآمنوا . وعن عكرمة رضي الله عنه : أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء ، وإنما عبر عن الخرور بالإلقاء لأنه ذكر مع الإلقاءات فسلك به طريق المشاكلة ، وفيه أيضا مع مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا . فإن قلت : فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به . قلت : هو الله عز وجل بما خولهم من التوفيق أو إيمانهم أو ما عاينوا من المعجزة الباهرة ، ولك أن لا تقدر فاعلا لأن ألقوا بمعنى خروا وسقطوا ( رب موسى وهارون ) عطف بيان لرب العالمين لأن فرعون لعنه الله كان يدعى الربوبية فأرادوا أن يعزلوه ، ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام أنه الذي يدعو إليه هذان والذي أجرى على أيديهما ما أجرى ( فلسوف تعلمون ) أي وبال ما فعلتم . الضر والضير والضور واحد ، أرادوا لا ضرار علينا في ذلك بل لنا فيه أعظم النفع لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله من تكفير الخطايا والثواب العظيم مع الأعواض الكثيرة ، أو لا ضير علينا فيما تتوعدنا به من القتل إنه لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت والقتل أهون أسبابه وأرجاها ، أو لا ضير علينا في قتلك إنك إن قتلتنا انقلبنا إلى ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته ويرجو رحمته لما رزقنا من السبق إلى الإيمان ، وخبر لا محذوف ، والمعنى : لا ضير في ذلك أو علينا ( أن كنا ) معناه لأن كنا ، وكانوا أول جماعة مؤمنين من أهل زمانهم أو من رعية فرعون أو من أهل المشهد . وقرئ إن كنا بالكسر وهو من الشرط الذي يجئ به المدل بأمره المتحقق لصحته وهم كانوا متحققين أنهم أول المؤمنين . ونظيره قول العامل لمن يؤخر جعله : إن كنت عملت لك فوفني حقي ، ومنه قوله تعالى - إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي - مع علمه أنهم لم يخرجوا إلا لذلك . قرئ أسر بقطع الهمزة ووصلها وسر ( إنكم متبعون ) علل الأمر بالإسراء باتباع فرعون
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 113 | الزمخشري