كذلك وأورثناها بني إسرائيل . فأتبعوهم مشرقين . فلما تراء الجمعان قال أصحاب
موسى إنا لمدركون . قال كلا إن معي ربى سيهدين . فأوحينا إلى موسى أن اضرب
بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم . وأزلفنا ثم الآخرين .
وأنجينا موسى ومن معه أجمعين . ثم أغرقنا الآخرين . إن في ذلك لآية وما كان
أكثرهم مؤمنين .
شرح
سماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله . والمقام : المكان ، يريد المنازل الحسنة والمجالس البهية . وعن
الضحاك : المنابر ، وقيل السرر في الحجال ( كذلك ) يحتمل ثلاثة أوجه : النصب على أخرجناهم مثل ذلك
الإخراج الذي وصفناه والجر على أنه وصف لمقام : أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم ، والرفع على أنه
خبر لمبتدأ محذوف : أي الأمر كذلك ( فأتبعوهم ) فلحقوهم ، وقرئ فاتبعوهم ( مشرقين ) داخلين في وقت
الشروق من شرقت الشمس شروقا إذا طلعت ( سيهدين ) طريق النجاة من إدراكهم وإضرارهم . وقرئ : فلما
تراءت الفئتان إنا لمدركون ، بتشديد الدال وكسر الراء من أدرك الشئ إذا تتابع ففنى ، ومنه قوله تعالى - بل
أدرك علمهم في الآخرة - قال الحسن جهلوا علم الآخرة ، وفى معناه بيت الحماسة :
أبعد بنى أمي الذين تتابعوا * أرجى الحياة أم من الموت أجزع
والمعنى : إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد . الفرق : الجزء المتفرق منه . وقرئ كل فلق
والمعنى واحد . والطود : الجبل العظيم المنطاد في السماء ( وأزلفنا ثم ) حيث انفلق البحر ( الآخرين ) قوم فرعون
أي قربناهم من بني إسرائيل ، أو أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد ، أو قدمناهم إلى البحر .
وقرئ وأزلقنا بالقاف : أي أزللنا أقدامهم . والمعنى : أذهبنا عزهم كقوله :
تداركتما عبسا وقد ثل عرشها * وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل
ويحتمل أن يجعل الله طريقهم في البحر على خلاف ما جعله لبني إسرائيل يبسا فيزلقهم فيه : عن عطاء بن
السائب أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون ، فكان يقول لبني إسرائيل : ليلحق آخركم
بأولكم ، ويستقبل القبط فيقول : رويدكم يلحق آخركم ، فلما انتهى موسى إلى البحر قال له مؤمن آل فرعون
وكان بين يدي موسى : أين أمرت فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون ؟ قال : أمرت بالبحر ولا يدرى
موسى ما يصنع ، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فصار فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق .
وروى أن يوشع قال : يا كليم الله أين أمرت فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا ؟ قال موسى : ههنا ، فخاض
يوشع الماء وضرب موسى بعصاه البحر فدخلوا . وروى أن موسى قال عند ذلك : يا من كان قبل كل شئ
والمكون لكل شئ والكائن بعد كل شئ . ويقال هذا البحر هو بحر القلزم ، وقيل هو بحر من وراء مصر يقال
له إساف ( إن في ذلك لآية ) أية آية وآية لا توصف وقد عاينها الناس وشاع أمرها فيهم . وما تنبه عليها أكثرهم ولا