إلا رب العالمين . الذي خلقني فهو يهدين . والذي هو يطعمني ويسقين . وإذا مرضت
فهو يشفين .
شرح
ومنه قوله تعالى - وهم لكم عدو - شبها بالمصادر للموازنة كالقبول والولوع والحنين والصهيل ( إلا رب
العالمين ) استثناء منقطع كأنه قال : ولكن رب العالمين ( فهو يهدين ) يريد أنه حين أتم خلقه ونفخ فيه الروح
عقب ذلك هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كل ما يصلحه ويعينه ، وإلا فمن هداه إلى أن يغتذى بالدم في البطن
امتصاصا ، ومن هداه إلى معرفة الثدي عند الولادة وإلى معرفة مكانه ، ومن هداه لكيفية الارتضاع إلى غير ذلك
من هدايات المعاش والمعاد . وإنما قال ( مرضت ) دون أمرضني ، لأن كثيرا من أسباب المرض يحدث بتفريط من
الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك ، ومن ثم قالت الحكماء : لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم لقالوا التخم .
وقرئ خطاياي والمراد ما يندر منه من بعض الصغائر لأن الأنبياء معصومون مختارون على العالمين . وقيل هي قوله
- إني سقيم - وقوله - بل فعله كبيرهم - وقوله - لسارة هي أختي - وما هي إلا معاريض كلام وتخييلات للكفرة
وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار . فإن قلت : إذا لم يندر منهم إلا الصغائر وهى تقع مكفرة فما له أثبت لنفسه
خطيئة أو خطايا وطمع أن تغفر له ؟ قلت : الجواب ما سبق لي أن استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم وهضم
لأنفسهم ، ويدل عليه قوله أطمع ولم يجزم القول بالمغفرة ، وفيه تعليم لأممهم وليكون لطفا لهم في اجتناب المعاصي
والحذر منها وطلب المغفرة مما يفرط منهم . فإن قلت : لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين وإنما تفغر في الدنيا ؟ قلت :
لأن أثرها يتبين يومئذ وهو الآن خفى لا يعلم . الحكم : الحكمة أو الحكم بين الناس بالحق ، وقيل النبوة لأن النبي
ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله . والإلحاق بالصالحين أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملتهم أو يجمع بينه وبينهم في
الجنة ، ولقد أجابه حيث قال - وإنه في الآخرة لمن الصالحين - والإخزاء من الخزي وهو الهوان ومن الخزاية وهى