تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
إلا رب العالمين . الذي خلقني فهو يهدين . والذي هو يطعمني ويسقين . وإذا مرضت فهو يشفين .
شرح
ومنه قوله تعالى - وهم لكم عدو - شبها بالمصادر للموازنة كالقبول والولوع والحنين والصهيل ( إلا رب العالمين ) استثناء منقطع كأنه قال : ولكن رب العالمين ( فهو يهدين ) يريد أنه حين أتم خلقه ونفخ فيه الروح عقب ذلك هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كل ما يصلحه ويعينه ، وإلا فمن هداه إلى أن يغتذى بالدم في البطن امتصاصا ، ومن هداه إلى معرفة الثدي عند الولادة وإلى معرفة مكانه ، ومن هداه لكيفية الارتضاع إلى غير ذلك من هدايات المعاش والمعاد . وإنما قال ( مرضت ) دون أمرضني ، لأن كثيرا من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك ، ومن ثم قالت الحكماء : لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم لقالوا التخم . وقرئ خطاياي والمراد ما يندر منه من بعض الصغائر لأن الأنبياء معصومون مختارون على العالمين . وقيل هي قوله - إني سقيم - وقوله - بل فعله كبيرهم - وقوله - لسارة هي أختي - وما هي إلا معاريض كلام وتخييلات للكفرة وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار . فإن قلت : إذا لم يندر منهم إلا الصغائر وهى تقع مكفرة فما له أثبت لنفسه خطيئة أو خطايا وطمع أن تغفر له ؟ قلت : الجواب ما سبق لي أن استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم وهضم لأنفسهم ، ويدل عليه قوله أطمع ولم يجزم القول بالمغفرة ، وفيه تعليم لأممهم وليكون لطفا لهم في اجتناب المعاصي والحذر منها وطلب المغفرة مما يفرط منهم . فإن قلت : لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين وإنما تفغر في الدنيا ؟ قلت : لأن أثرها يتبين يومئذ وهو الآن خفى لا يعلم . الحكم : الحكمة أو الحكم بين الناس بالحق ، وقيل النبوة لأن النبي ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله . والإلحاق بالصالحين أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملتهم أو يجمع بينه وبينهم في الجنة ، ولقد أجابه حيث قال - وإنه في الآخرة لمن الصالحين - والإخزاء من الخزي وهو الهوان ومن الخزاية وهى
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 117 | الزمخشري