تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
( قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون . قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون . فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين . فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين . فتولى عنهم وقال
شرح
صح قولهم ( إنا بما أرسل به مؤمنون ) جوابا عنه ؟ قلت : سألوهم عن العلم بإرساله ، فجعلوا إرساله أمرا معلوما مكشوفا مسلما لا يدخله ريب كأنهم قالوا العلم بإرساله وبما أرسل به ما لا كلام فيه ولا شبهة تدخله لوضوحه وإثارته ، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنا به مؤمنون ، ولذلك كان جواب الكفرة ( إنا بالذي آمنتم به كافرون ) فوضعوا آمنتم به موضع أرسل به ردا لما جعله المؤمنون معلوما وأخذوه مسلما ( فعقروا الناقة ) أسند العقر إلى جميعهم لأنه كان برضاهم وإن لم يباشره إلا بعضهم ، وقد يقال للقبيلة الضخمة أنتم فعلتم كذا وما فعله إلا واحد منهم ( وعتوا عن أمر ربهم ) وتولوا عنه واستكبروا عن امتثاله عاتين ، وأمر ربهم ما أمر به على لسان صالح عليه السلام من قوله : فذروها تأكل في أرض الله ، أو شأن ربهم وهو دينه ، ويجوز أن يكون المعنى : وصدر عتوهم عن أمر ربهم كأن أمر ربهم بتركها كان هو السبب في عتوهم ، ونحو " عن " هذه " ما " في قوله : وما فعلته عن أمري ( ائتنا بما تعدنا ) أرادوا من العذاب وإنما جاز الإطلاق لأنه كان معلوما واستعجالهم له لتكذيبهم به ولذلك علقوه بما هم به كافرون وهو كونه من المرسلين ( الرجفة ) الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها ( في دارهم ) في بلادهم أو في مساكنهم ( جاثمين ) هامدين لا يتحركون موتى ، يقال الناس جثم : أي قعود لا حراك بهم ولا ينبسون نبسة ، ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها وهي البهيمة تربط وتجمع قوائمها لترمى . وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فأخذتهم الصيحة فلم يبق منهم إلا رجل واحد كان في حرم الله ، قالوا : من هو ؟ قال : ذاك أبو رغال فما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " . وروى أن صالحا كان بعثه إلى قوم فخالف أمره . وروى " أنه عليه الصلاة والسلام مر بقبر أبي رغال فقال : أتدرون من هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، فذكر قصة أبي رغال وأنه دفن ههنا ودفن معه غصن من من ذهب ، فابتدروه وبحثوا عنه بأسيافهم فاستخرجوا الغصن " ( فتولى عنهم ) الظاهر أنه كان مشاهدا لما جرى عليهم ، وأنه تولى عنهم بعد ما أبصرهم جاثمين تولى مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم يتحزن لهم ويقول