( يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين . ولوطا إذ
قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين . أئنكم لتأتون
الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا أن
قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون .
شرح
( يا قوم لقد ) بذلت فيكم وسعي ولم آل جهدا في إبلاغكم النصيحة لكم ( ولكن ) كم ( لا يحبون الناصحين ( ويجوز أن يتولى
عنهم تولى ذاهب عنهم منكر لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب . وروى أن عقرهم الناقة كان يوم
الأربعاء ونزل بهم العذاب يوم السبت . وروى أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي ، فالتفت فرأى
الدخان ساطعا فعلم أنهم قد هلكوا ، وكانوا ألفا وخمسمائة دار . وروى أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم . فإن
قلت : كيف صح خطاب الموتى وقوله : ولكن لا تحبون الناصحين ؟ قلت : قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت
وكان قد نصحه حيا فلم يسمع منه حتى يلقى بنفسه في التهلكة : يا أخي كم نصحتك وكم قلت لك فلم تقبل مني .
وقوله ولكن لا تحبون الناصحين حكاية حال ماضية ( ولوطا ) وأرسلنا لوطا و ( إذ ) ظرف لأرسلنا أو واذكر
لوطا ، وإذ بدل منه : بمعنى واذكر وقت ( قال لقومه أتأتون الفاحشة ) أتفعلون السيئة المتمادية في القبح ( ما سبقكم
بها ) ما عملها قبلكم والباء للتعدية من قولك سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " سبقك بها
عكاشة " ( من أحد من العالمين ) من الأولى زائدة لتوكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق ، والثانية للتبعيض . فإن قلت :
ما موقع هذه الجملة ؟ قلت : هي جملة مستأنفة أنكر عليهم أولا بقوله أتأتون الفاحشة ، ثم وبخهم عليها فقال :
أنتم أول من عملها ، أو على أنه جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا : لم لا نأتيها ؟ فقال : ما سبقكم بها أحد فلا تفعلوا
ما لم تسبقوا به ( أئنكم لتأتون الرجال ) بيان لقوله : أتأتون الفاحشة - والهمزة مثلها في أتأتون للإنكار والتعظيم ،
وقرئ إنكم على الإخبار المستأنف لتأتون الرجال من أتى المرأة إذا غشيها ( شهوة ) مفعول له : أي للاشتهاء لا حامل
لكم عليه إلا مجرد الشهوة من غير داع آخر ولا ذم أعظم منه لأنه وصف لهم بالبهيمة ، وأنه لا داعي لهم من جهة
العقل البتة كطلب النسل ونحوه أو جال بمعنى مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين إلى السماجة ( بل أنتم قوم
مسرفون ) أضرب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ارتكاب القبائح وتدعو إلى اتباع الشهوات ،
وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شئ ، فمن ثم أسرفوا في بعض قضاء الشهوة حتى تجاوزوا
المعتاد إلى غير المعتاد ونحوه - بل أنتم قوم عادون - ( وما كان جواب قومه إلا أن قالوا ) يعني ما أجابوه بما يكون
جوابا عما كلمهم به لوط عليه السلام من إنكار الفاحشة وتعظيم أمرها ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل
الشر كله ، ولكنهم جاءوا بشئ آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من
قريتهم ضجرا بهم وبما يسمعونهم من وعظمهم ونصحهم ، وقولهم ( إنهم أناس يتطهرون ) سخرية بهم وبتطهرهم
من الفواحش وافتخار بما كانوا من القذارة كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : ابعدوا