ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين . ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب
المعتدين . ولا يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله
قريب من المحسنين . وهو الذي يرسل الرياح نشرا
شرح
جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره ، وكما يريد أن يصرفها سمى ذلك أمرا على التشبيه كأنهن مأمورات بذلك . وقرئ
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بالرفع . ولما ذكر خلقهن مسخرات بأمره قال ( ألا له الخلق والأمر )
أي وهو الذي خلق الأشياء كلها وهو الذي صرفها على حسب إرادته ( تضرعا وخفية ) نصب على الحال : أي
ذوي تضرع وخفية . وكذلك خوفا وطمعا . والتضرع تفعل من الضراعة وهو الذل : أي تذللا وتملقا . وقرئ
وخفية . وعن الحسن رضي الله عنه أن الله يعلم القلب التقي والدعاء الخفي ، إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما
يشعر به جاره ، وإن كان الرجل لقد فقه الكثير ولا يشعر الناس به ، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة
وعنده الزوار وما يشعرون به ، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر
فيكون علانية أبدا ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين
ربهم وذلك أن الله تعالى يقول - ادعوا ربكم تضرعا وخفية - وقد أثنى على زكريا فقال - إذ نادى ربه نداء خفيا -
وبين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا ( إنه لا يحب المعتدين ) أي المجاوزين ما أمروا به في كل شئ من
الدعاء وغيره . وعن ابن جريج هو رفع الصوت بالدعاء ، وعنه الصياح في الدعاء مكروه وبدعة ، وقيل هو
الإسهاب في الدعاء وعن النبي صلى الله عليه وسلم " سيكون قوم يعتدون في الدعاء ، وحسب المرء أن يقول :
اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ، ثم
قرأ قوله تعالى - إنه لا يحب المعتدين - " ( إن رحمت الله قريب من المحسنين ) كقوله - وإني لغفار لمن تاب وآمن
وعمل صالحا - وإنما ذكر قريب على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم ، أو أنه صفة موصوف محذوف : أي شئ
قريب ، أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول كما شبه ذاك به فقيل قتلاء وأسراء ، أو على أنه بزنة المصدر
الذي هو النقيض والضغيب ، أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي . قرئ نشرا وهو مصدر نشر ، وانتصابه إما لأن
أرسل ونشر متقاربان فكأنه قيل نشرها نشرا ، وإما على الحال بمعنى منتشرات ونشرا جمع نشور ونشرا تخفيف نشر كرسل