تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون . وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا من القوم الظالمين . ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون . أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ، ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون . ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة
شرح
أطلق ليتناول كل وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة ، لأنهم كانوا مكذبين بذلك أجمع ، ولأن الموعود كله مما ساءهم ، وما نعيم أهل الجنة إلا عذاب لهم فأطلق لذلك ( بينهما حجاب ) يعني بين الجنة والنار أو بين الفريقين وهو السور المذكور في قوله تعالى - فضرب بينهم بسور - ( وعلى الأعراف ) وعلى أعراف الحجاب وهو السور المضروب بين الجنة والنار وهي أعاليه جمع عرف ، أستعير من عرف الفرس وعرف الديك ( رجال ) من المسلمين من آخرهم دخولا في الجنة لقصور أعمالهم كأنهم المرجون لأمر الله ، يحبسون بين الجنة والنار إلى أن يأذن الله لهم في دخول الجنة ( يعرفون كلا ) من زمر السعداء والأشقياء ( بسيماهم ) بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها ، يلهمهم الله ذلك أو تعرفهم الملائكة إذا نظروا إلى أصحاب الجنة نادوهم بالتسليم عليهم ( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ) ورأوا ما هم فيه من العذاب استعاذوا بالله وفزعوا إلى رحمته أن لا يجعلهم معهم . ونادوا رجالا من رؤوس الكفرة يقولون لهم ( أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ) إشارة لهم إلى أهل الجنة الذين كان الرؤساء يستهينون بهم ويحتقرونهم لفقرهم وقلة حظوظهم من الدنيا وكانوا يقسمون إن الله لا يدخلهم الجنة ( ادخلوا الجنة ) يقال لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة ، وذلك بعد أن يحبسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويعرفونهم بسيماهم ويقولوا ما يقولون ، وفائدة ذلك بيان أن الجزاء على قدر الأعمال ، وأن التقدم والتأخر على حسبها ، وأن أحدا لا يسبق عند الله إلا بسبقه في العمل ، ولا يتخلف عنده إلا بتخلفه فيه ، وليرغب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على إحراز قصبتهم ، وليتصوروا أن كل أحد يعرف ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشر ، فيرتدع المسئ عن إساءته ويزيد المحسن في إحسانه ، وليعلم أن العصاة يوبخهم كل أحد حتى أقصر الناس عملا ، وقوله - وإذا صرفت أبصارهم - فيه أن صارفا يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا . وقرأ الأعمش : وإذا قلبت أبصارهم . وقرئ أدخلوا الجنة على البناء للمفعول . وقرأ عكرمة دخلوا الجنة . فإن قلت : كيف لاءم هاتين القراءتين قوله ( لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ) ؟ قلت : تأويله ادخلوا أو دخلوا الجنة مقولا لهم لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون . فإن قلت : ما محل قوله لم يدخلوها وهم يطمعون ؟ قلت : لا محل له لأنه استئناف كأن سائلا سأل عن حال أصحاب الأعراف فقيل لم يدخلوها وهم يطمعون : يعني حالهم أن دخولهم الجنة استأخر عن دخول أهل الجنة فلم يدخلوها لكونهم محبوسين وهم يطمعون لم ييأسوا ، ويجوز أن
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 81 | الزمخشري