تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون . أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون . فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين . والى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ؟
شرح
المتطاولة أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والزواجر والبشائر والنذائر ، ويجوز أن يريد رسالاته إليه والى الأنبياء قبله من صحف جده إدريس وهي ثلاثون صحيفة ، ومن شيث وهي خمسون صحيفة ( وأنصح لكم ( يقال نصحته ونصحت له ، وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة وأنها وقعت خالصة للمنصوح له مقصودا بها جانبه لا غير ، فرب نصيحة ينتفع بها الناصح فيقصد النفعين جميعا ، ولا نصيحة أمحض من نصيحة الله تعالى ورسله عليهم السلام ( وأعلم من الله ما لا تعلمون ) أي من صفات الله وأحواله : يعني قدرته الباهرة وشدة بطشه على أعدائه ، وأن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين . وقيل لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم فكانوا آمنين لا يعلمون ما علمه نوح بوحي الله إليه ، أو أراد وأعلم من جهة الله أشياء لا علم لكم بها قد أوحى إلي بها ( أو عجبتم ) الهمزة للإنكار والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف كأنه قيل : أكذبتم وعجبتم ( أن جاءكم ) من أن جاءكم ( ذكر ) موعظة ( من ربكم على رجل منكم ) على لسان رجل منكم كقوله - ما وعدتنا على رسلك - وذلك أنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح عليه السلام ويقولون - ما سمعنا بهذا من آبائنا الأولين - يعنون إرسال البشر ، ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة ( لينذركم ولتتقوا ) ليحذركم عاقبة الكفر وليوجد منكم التقوى وهي الخشية بسبب الإنذار ( ولعلكم ترحمون ) ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم ( والذين معه ) قيل كانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة ، وقيل تسعة بنوه : سام ، وحام ، ويافث ، وستة ممن آمن به . فإن قلت : في الفلك بم يتعلق ؟ قلت : هو متعلق بمعه كأنه قيل : والذين استقروا معه في الفلك أو صحبوه في الفلك ، ويجوز أن يتعلق بفعل الإنجاء : أي أنجيناهم في السفينة من الطوفان ( عمين ) عمى القلوب غير مستبصرين . وقرئ عامين ، والفرق بين العمى والعامي أن العمى يدل على عمى ثابت ، والعامي على عمى حادث ، ونحوه قوله - وضائق به صدرك - ( أخاهم ) واحدا منهم من قولك يا أخا العرب للواحد منهم ، وإنما جعل واحدا منهم لأنهم أفهم عن رجل منهم وأعرف بحاله في صدقه أو أمانته وهو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ، وأخاهم عطف على نوحا ، و ( هودا ) عطف بيان له . فإن قلت : لم حذف العاطف من قوله ( قال يا قوم ) ولم يقل فقال كما في قصة نوح ؟ قلت : هو على