( بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء
فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون . والبلد الطيب
يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات
لقوم يشكرون . لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله
شرح
ورسل . وقرأ مسروق نشرا بمعنى منشورات فعل بمعنى مفعول كنفض وحسب ومنه قولهم ضم نشره وبشرا جمع
بشير وبشرا بتخفيفه وبشر بفتح الباء مصدر من بشره بمعنى بشره : أي باشرات وبشرى ( بين يدي رحمته ) أمام رحمته ،
وهي الغيث الذي هو من أتم النعم وأجلها وأحسنها أثرا ( أقلت ) حملت ورفعت واشتقاق الإقلال من القلة لأن
الرافع المطيق يرى الذي يرفعه قليلا ( سحابا ثقالا ) سحائب ثقالا بالماء جمع سحابة ( سقناه ) الضمير للسحاب على اللفظ ،
ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث ، كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلا ( لبلد ميت ) لأجل بلد ليس فيه
حيا ولسقيه . وقرئ ميت ( فأنزلنا به ) بالبلد أو بالسحاب أو بالسوق وكذلك ( فأخرجنا به ، كذلك ) مثل ذلك
الإخراج وهو إخراج الثمرات ( نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) فيؤديكم التذكر إلى أنه لا فرق بين الإخراجين ، إذ
كل واحد منهما إعادة للشئ بعد إنشائه ( والبلد الطيب ) الأرض العذاة الكريمة التربة ( والذي خبث ) الأرض
السبخة التي لا تنبت ما ينتفع به ( بإذن ربه ) بتيسيره وهو في موضع الحال كأنه قيل : يخرج نباته حسنا وافيا لأنه
واقع في مقابلة ( نكدا ) والنكد الذي لا خير فيه . وقرئ يخرج نباته : أي يخرجه البلد وينبته ، وقوله والذي خبث
صفة للبلد ومعناه : والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكدا ، فحذف المضاف الذي هو النبات وأقيم المضاف إليه
الذي هو الراجع إلى البلد مقامه ، إلا أنه كان مجرورا بارزا فانقلب مرفوعا مستكنا لوقوعه موقع الفاعل ، أو يقدر :
ونبات الذي خبث . وقرئ نكدا بفتح الكاف على المصدر : أي ذا نكد ونكدا بإسكانها للتخفيف كقوله نزه عن
الريب بمعنى نزه ، وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه من المكلفين ولمن لا يؤثر فيه شئ من ذلك . وعن مجاهد
آدم وذريته منهم خبيث وطيب . وعن قتادة المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله وانتفع به ، كالأرض الطيبة
أصابها الغيث فأنبتت والكافر بخلاف ذلك ، وهذا التمثيل واقع على أثر ذكر المطر وإنزاله بالبلد الميت ، وإخراج
الثمرات به على طريق الاستطراد ( كذلك ) مثل ذلك التصريف ( نصرف الآيات ) نرددها ونكررها ( لقوم
يشكرون ) نعمة الله وهم المؤمنون ليفكروا فيها ويعتبروا بها . وقرئ يصرف بالياء : أي يصرفها الله ( لقد أرسلنا
نوحا ) جواب قسم محذوف . فإن قلت : ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد وقل عنهم نحو قوله :
حلفت لها بالله حلفة فاجر * لناموا . . .
قلت : إنما كان ذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها ، فكانت
مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى قد عند استماع المخاطب كلمة القسم . قيل أرسل نوح عليه السلام وهو ابن خمسين