قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون . يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا
يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون .
يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما
ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ،
شرح
بعيش إلى انقضاء آجالكم . وعن ثابت البناني : لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة ، فجعلت حواء
تدور حولهم فقال لها : خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك ، فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر
وترا وحنطته وكفنته في وتر من الثياب ، وحفروا له ولحدوا ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه : هذه
سنتكم بعده . جعل ما في الأرض منزلا من السماء لأنه قضى ثم وكتب ، ومنه - وأنزل لكم من الأنعام ثمانية
أزواج - والريش لباس الزينة ، أستعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته : أي أنزل عليكم لباسين لباسا يواري
سوآتكم ولباسا يزينكم ، لأن الزينة غرض صحيح كما قال - لتركبوها وزينة - ولكم فيها جمال - وقرأ عثمان رضي
الله عنه ورياشا جمع ريش كشعب وشعاب ( ولباس التقوى ) ولباس الورع والخشية من الله تعالى وارتفاعه عن
الابتداء ، وخبره إما الجملة التي هي ( ذلك خير ) كأنه قيل : ولباس التقوى هو خير ، لأن أسماء الإشارة تقرب من
الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر ، وإما المفرد الذي هو خير وذلك صفة للمبتدأ كأنه قيل : ولباس التقوى المشار
إليه خير ، ولا تخلو الإشارة من أن يراد بها تعظيم لباس التقوى ، أو أن تكون إشارة إلى اللباس المواري للسوأة ، لأن
مواراة السوأة من التقوى تفضيلا له على لباس الزينة . وقيل لباس التقوى خبر مبتدأ محذوف : أي وهو لباس
التقوى ثم قيل ذلك خير . وفي قراءة عبد الله وأبي ولباس التقوى خير . وقيل المراد بلباس التقوى ما يلبس من
الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقى به في الحروب . وقرئ ولباس التقوى بالنصب عطفا على لباسا
وريشا ( ذلك من آيات الله ) الدالة على فضله ورحمته على عباده : يعني إنزال اللباس ( لعلهم يذكرون ) فيعرفوا
عظيم النعمة فيه ، وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوآت ، وخصف الورق عليها إظهارا
للمنة فيما خلق من اللباس ، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة ، وإشعارا بأن التستر باب عظيم
من أبواب التقوى ( لا يفتننكم الشيطان ) لا يمتحننكم بأن لا تدخلوا الجنة كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها ( ينزع
عنهما لباسهما ) حال : أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سببا في أن نزع عنهما ( إنه يراكم هو ) تعليل للنهي
وتحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو المداجي يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون . وعن مالك بن دينار : إن
عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصم الله ( وقبيله ) وجنوده من الشياطين ، وفيه دليل بين أن الجن لا يرون