تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون . يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين . قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة لهم يوم القيامة ، كذلك
شرح
عليهم في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق ، والمعنى : أنه يعيدكم فيجازيكم في أعمالكم فأخلصوا له العبادة ( فريقا هدى ) وهم الذين أسلموا : أي وفقهم للإيمان ( وفريقا حق عليهم الضلالة ) أي كلمة الضلالة وعلم الله أنهم يضلون ولا يهتدون ، وانتصاب قوله وفريقا بفعل مضمر يفسره ما بعده كأنه قيل : وخذل فريقا حق عليهم الضلالة ( إنهم ) إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة ( اتخذوا الشياطين أولياء ) أي تولوهم بالطاعة فيما أمروهم به ، وهذا دليل على أن علم الله لا أثر له في ضلالهم ، وأنهم هم الضالون باختيارهم وتوليهم الشياطين دون الله ( خذوا زينتكم ) أي ريشكم ولباس زينتكم ( عند كل مسجد ) كما صليتم أو طفتم ، وكانوا يطوفون عراة . وعن طاوس لم يأمرهم بالحرير والديباج ، وإنما كان أحدهم يطوف عريانا ويدع ثيابه وراء المسجد ، وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت عنه لأنهم قالوا : لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها ، وقيل تفاؤلا : ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب . وقيل الزينة المشط ، وقيل الطيب ، والسنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئته للصلاة . وكان بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما ، يعظمون بذلك حجهم ، فقال المسلمون : فإنا أحق أن نفعل ، فقيل لهم ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) وعن ابن عباس رضي الله عنه : كل ما شئت والبس ما شئت ، ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة . ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق ، فقال لعلي بن الحسين بن واقد : ليس في كتابكم من علم الطب شئ . العلم علمان : علم الأبدان ، وعلم الأديان ، فقال له : قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه ، قال : وما هي ؟ قال قوله تعالى - وكلوا واشربوا ولا تسرفوا - فقال النصراني : ولا يؤثر من رسولكم شئ في الطب ، فقال : قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة ، قال : وما هي ؟ قال قوله " المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء ، واعط كل بدن ما عودته " فقال النصراني : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا ( زينة الله ) من الثياب وكل ما يتجمل به ( والطيبات من الرزق ) المستلذات من المآكل والمشارب ، ومعنى الاستفهام في من إنكار تحريم هذه الأشياء ، قيل كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها ( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ) غير خالصة لهم لأن المشركين شركاؤهم فيها ( خالصة ) لهم ( يوم القيامة ) لا يشركهم فيها أحد . فإن قلت : هلا قيل هي للذين آمنوا ولغيرهم ؟ قلت : لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة وأن الكفرة تبع لهم كقوله تعالى - ومن كفر فأمتعه قليلا ثم