ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم
شاكرين . قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم
أجمعين . ويا آدم
شرح
مالك وتنكح امرأتك ، فعصاه فقاتل " ( ثم لآتينهم ) من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الغالب ، وهذا مثل
لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه كقوله - واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك
ورجلك - فإن قلت : كيف قيل ( من بين أيديهم ومن خلفهم ) بحرف الابتداء ( وعن أيمانهم وعن شمائلهم )
بحرف المجاوزة ؟ قلت : المفعول فيه عدى إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به ، فكما اختلفت حروف التعدية
في ذاك اختلفت في هذا وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس ، وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط ، فلما سمعناهم يقولون
جلس عن يمينه وعلى يمينه وعن شماله وعلى شماله ؟ قلنا : معنى عن يمينه أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من
المستعلى عليه ، ومعنى عن يمينه أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين منحرفا عنه غير ملاصق له ، ثم كثر حتى
استعمل في المتجافي وغيره ، كما ذكرناه في تعال ونحوه عن المفعول به قولهم رميت عن القوس وعلى القوس ومن
القوس ، لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدأ الرمي منها ، وكذلك قالوا : جلس بين
يديه وخلفه بمعنى فيه لأنهما ظرفان للفعل ، ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول :
جئته من الليل ، تريد بعض الليل ، وعن شقيق : ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربع مراصد بين يدي
ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ، أما من بين يدي فيقول : لا تخف فإن الله غفور رحيم ، فأقرأ - وإني لغفار لمن
تاب آمن وعمل صالحا - وأما من خلفي فيخوفني الضيعة على مخلفي ، فأقرأ وما من دابة في الأرض إلا على الله
رزقها - وأما من قبل يميني فيأتيني من قبل الثناء ، فأقرأ - والعاقبة للمتقين - وأما من قبل شمالي فيأتيني من قبل
الشهوات ، فأقرأ - وحيل بينهم وبين ما يشتهون - ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) قاله تظنينا بدليل قوله - ولقد صدق
عليهم إبليس ظنه - وقيل سمعه من الملائكة بإخبار الله تعالى لهم ( مذءوما ) من ذأمه إذا ذمه . وقرأ الزهري مذوما
بالتخفيف مثل مسول في مسؤول . واللام في ( لمن تبعك ) موطئة للقسم و ( لأملأن ) جوابه وهو ساد مسد جواب
الشرط ( منكم ) منك ومنهم فغلب ضمير المخاطب كما في قوله - إنكم قوم تجهلون - وروى عصمة عن عاصم : لمن تبعك
بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو قوله - لأملأن جهنم منكم أجمعين - على أن لأملأن في محل الابتداء ولمن تبعك
خبره ( ويا آدم ) وقلنا يا آدم ، وقرئ هذي الشجرة والأصل الياء والهاء بدل منها . ويقال وسوس إذا تكلم كلاما خفيا