تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
وأنا ربكم فاعبدون . وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون . فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون . وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون . حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج
شرح
وفعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا وهو جبريل عليه السلام لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها . فإن قلت : هلا قيل آيتين كما قال - وجعلنا الليل والنهار آيتين - قلت : لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة وهى ولادتها إياه من غير فحل . الأمة الملة ، وهذه إشارة إلى ملة الإسلام : أي إن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها يشار إليها ملة واحدة غير مختلفة ( وأنا ) إلهكم إله واحد ( فاعبدون ) ونصب الحسن أمتكم على البدل من هذه ورفع أمة خبرا ، وعنه رفعهما جميعا خبرين لهذه أو نوى للثاني مبتدأ والخطاب للناس كافة . والأصل وتقطعتم ، إلا أن الكلام حرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم ويقول لهم : ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله ، والمعنى : جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا كما يتوزع الجماعة الشئ ويتقسمونه فيطير لهذا نصيب ولذاك نصيب تمثيلا لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى . ثم توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون فهو محاسبهم ومجازيهم . الكفران مثل في حرمان الثواب ، كما أن الشكر مثل في إعطائه إذا قيل الله شكور ، وقد نفى الجنس ليكون أبلغ من أن يقول فلا نكفر سعيه ( وإنا له كاتبون ) أي نحن كاتبو ذلك السعي ومثبتوه في صحيفة عمله ، وما نحن مثبتوه فهو غير ضائع ومثاب عليه صاحبه . أستعير الحرام للممتنع وجوده ، ومنه قوله عز وجل - إن الله حرمهما على الكافرين - أي منعهما منهم وأبى أن يكونا لهم . وقرئ حرم وحرم بالفتح والكسر وحرم وحرم . ومعنى ( أهلكناها ) عزمنا على إهلاكها أو قدرنا إهلاكها . ومعنى الرجوع الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة ، ومجاز الآية أن قوما عزم الله على إهلاكهم غير متصور أن يرجعوا وينيبوا إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويقولون - يا ويلنا قد كنا قفى غفلة من هذا بل كنا ظالمين - يعنى أنهم مطبوع على قلوبهم فلا يزالون على كفرهم ويموتون عليه حتى يروا العذاب . وقرئ إنهم بالكسر وحق هذا أن يتم الكلام قبله فلا بد من تقدير محذوف كأنه قبل : وحرام على قرية أهلكناها ذاك وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور ، ثم علل فقيل إنهم لا يرجعون عن الكفر فكيف لا يمتنع ذلك ، والقراءة بالفتح يصح حملها على هذا : أي لأنهم لا يرجعون ولا صلة على الوجه الأول . فإن قلت : بم تعلقت ( حتى ) واقعة غاية له وأية الثلاث هي ؟ قلت : هي متعلقة بحرام وهى غاية له ، لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة وهى حتى التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكي الجملة من الشرط والجزاء : أعني إذا وما في حيزها . حذف المضاف إلى ( يأجوج ومأجوج ) وهو
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 583 | الزمخشري