ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير
وكنا فاعلين . وعلمناه صنعة لبوس لكم ليحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون .
ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ
عالمين . ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين .
وأيوب إذ نادى ربه أنى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين . فاستجبنا له فكشفنا
ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين .
وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين . وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من
شرح
كان مع سليمان عليه السلام ، وفى قوله ( وكلا آتينا حكما وعلما ) دليل على أنهما جميعا كانا على الصواب ( يسبحن )
حال بمعنى مسبحات أو استئناف كأن قائلا قال : كيف سخرهن ؟ فقال يسبحن ( والطير ) إما معطوف على الجبال
أو مفعول معه . فإن قلت : لم قدمت الجبال على الطير ؟ قلت : لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على
القدرة وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان إلا أنه غير ناطق . روى أنه كان يمر بالجبال مسبحا وهى
تجاوبه . وقيل كانت تسير معه حيث سار . فإن قلت : كيف تنطق الجبال وتسبح ؟ قلت : بأن يخلق الله فيها
الكلام كما خلقه في الشجرة حين كلم موسى . وجواب آخر ، وهو أن يسبح من رآها تسير بتسير الله فلما حملت
على التسبيح وصفت به ( وكنا فاعلين ) أي قادرين على أن نفعل هذا وإن كان عجبا عندكم . وقيل وكنا نفعل
بالأنبياء مثل ذلك . اللبوس اللباس ، قال : * البس لكل حاله لبوسها * والمراد الدرع . قال قتادة : كانت
صفائح ، فأول من سردها وحلقها داود فجمعت الخفة والتحصين ( لتحصنكم ) قرئ بالنون والياء والتاء وتخفيف
الصاد وتشديدها فالنون لله عز وجل والتاء للصنعة أو للبوس على تأويل الدرع والياء لداود أو للبوس . قرئ الريح
والرياح بالرفع والنصب فيهما فالرفع على الابتداء والنصب على العطف على الجبال . فإن قلت : وصفت هذه
الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى فما التوفيق بينهما ؟ قلت : كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم فإذا مرت
بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال - غدوها شهر ورواحها شهر - فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء
في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة .
وقيل كانت في وقت رخاء وفى وقت عاصفا لهبوبها على حكم إرادته . وقد أحاط علمنا بكل شئ فنجرى