تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين . وعلمناه صنعة لبوس لكم ليحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون . ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين . ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين . وأيوب إذ نادى ربه أنى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين . فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين . وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين . وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من
شرح
كان مع سليمان عليه السلام ، وفى قوله ( وكلا آتينا حكما وعلما ) دليل على أنهما جميعا كانا على الصواب ( يسبحن ) حال بمعنى مسبحات أو استئناف كأن قائلا قال : كيف سخرهن ؟ فقال يسبحن ( والطير ) إما معطوف على الجبال أو مفعول معه . فإن قلت : لم قدمت الجبال على الطير ؟ قلت : لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان إلا أنه غير ناطق . روى أنه كان يمر بالجبال مسبحا وهى تجاوبه . وقيل كانت تسير معه حيث سار . فإن قلت : كيف تنطق الجبال وتسبح ؟ قلت : بأن يخلق الله فيها الكلام كما خلقه في الشجرة حين كلم موسى . وجواب آخر ، وهو أن يسبح من رآها تسير بتسير الله فلما حملت على التسبيح وصفت به ( وكنا فاعلين ) أي قادرين على أن نفعل هذا وإن كان عجبا عندكم . وقيل وكنا نفعل بالأنبياء مثل ذلك . اللبوس اللباس ، قال : * البس لكل حاله لبوسها * والمراد الدرع . قال قتادة : كانت صفائح ، فأول من سردها وحلقها داود فجمعت الخفة والتحصين ( لتحصنكم ) قرئ بالنون والياء والتاء وتخفيف الصاد وتشديدها فالنون لله عز وجل والتاء للصنعة أو للبوس على تأويل الدرع والياء لداود أو للبوس . قرئ الريح والرياح بالرفع والنصب فيهما فالرفع على الابتداء والنصب على العطف على الجبال . فإن قلت : وصفت هذه الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى فما التوفيق بينهما ؟ قلت : كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال - غدوها شهر ورواحها شهر - فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة . وقيل كانت في وقت رخاء وفى وقت عاصفا لهبوبها على حكم إرادته . وقد أحاط علمنا بكل شئ فنجرى