تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
الصالحين . وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات
شرح
الأشياء كلها على ما يقتضيه علمنا وحكمتنا : أي يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدائن والقصور واختراع الصنائع العجيبة كما قال - يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل - والله حافظهم أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يغيروا أو يوجد منهم فساد في الجملة فيما هم مسخرون فيه : أي ناداه بأني مسني الضر . وقرئ إني بالكسر على إضمار القول أو لتضمن النداء معناه . والضر بالفتح الضرر في كل شئ ، وبالضم الضرر في النفس من مرض وهزال فرق بين البناءين لافتراق المعنيين . ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب . ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت : يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصا ، فقال لها : ألطفت في السؤال لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود وملأ بيتها حبا . كان أيوب عليه السلام روميا من ولد إسحاق بن يعقوب عليهم السلام ، وقد استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله ، كان له سبعة بنين وسبع بنات ، وله أصناف البهائم وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل ، فابتلاه الله بذهاب ولده ، انهدم عليهم البيت فهلكوا ، وبذهاب ماله وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة ، وعن قتادة : ثلاث عشرة سنة ، وعن مقاتل : سبعا وسبعة أشهر وسبع ساعات . وقالت له امرأته يوما : لو دعوت الله ؟ فقال لها : كم كانت مدة الرخاء ؟ فقالت ثمانين سنة ، فقال : أنا استحيى من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي ، فلما كشف الله عنه أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم . وروى أن امرأته ولدت بعد ستة وعشرين ابنا : أي لرحمتنا العابدين وإنا نذكرهم بالإحسان لا ننساهم أو رحمة منا لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة . قيل في ذي الكفل هو إلياس ، وقيل زكريا ، وقيل يوشع بن نون ، وكأنه سمى بذلك لأنه ذو الحظ من الله والمجدود على الحقيقة . وقيل كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه وضعف ثوابهم . وقيل خمسة من الأنبياء ذوو اسمين إسرائيل ويعقوب إلياس وذو الكفل عيسى والمسيح يونس وذو النون محمد وأحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ( النون ) الحوت فأضيف إليه ، برم بقومه لطول ما ذكرهم فلم يذكروا وأقاموا على كفرهم فراغمهم وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبا لله وأنفة لدينه وبغضا للكفر وأهله ، وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم فابتلى ببطن الحوت . ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها . وقرأ أبو شرف مغضبا . قرئ نقدر ونقدر مخففا ومثقلا ، ويقدر بالياء بالتخفيف ، ويقدر ويقدر على البناء للمفعول مخففا ومثقلا ، وفسرت بالتضييق عليه وبتقدير الله عقوبة . وعن ابن عباس : أنه دخل على معاوية فقال : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك ، قال : وما هي يا معاوية ؟ فقرأ هذه الآية وقال : أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه ؟ قال : هذا من القدر لا من القدرة ، والمخفف يصح أن يفسر بالقدرة على معنى أن لن نعمل فيه قدرتنا ، وأن يكون من باب التمثيل بمعنى فكانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله . ويجوز أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان ثم يردعه ويرده بالبرهان كما يفعل المؤمن المحقق بنزغات الشيطان وما يوسوس إليه في كل وقت ، ومنه قوله تعالى - وتظنون بالله الظنونا - والخطاب للمؤمنين ( في الظلمات ) أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت