وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين . ولوطا
آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا
قوم سوء فاسقين . وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين . ونوحا إذ نادى من قبل
فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم . ونصرناه من القوم الذين كذبوا
بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين . وداود وسليمان إذ يحكمان
في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين .
شرح
الله ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها . وأول ذلك أن يهتدى بنفسه لأن الانتفاع بهداه أعم والنفوس إلى الاقتداء
بالمهدى أميل ( فعل الخيرات ) أصله أن تفعل الخيرات ثم فعلا الخيرات ثم فعل الخيرات . وكذلك إقام الصلاة
وإيتاء الزكاة ( حكما ) حكمة وهو ما يجب فعله أو فصلا بين الخصوم ، وقيل هو النبوة . والقرية سذوم : أي في
أهل رحمتنا أو في الجنة ، ومنه الحديث " هذه رحمتي أرحم بها من أشاء " ( من قبل ) من قبل هؤلاء المذكورين . هو
نصر الذي مطاوعه انتصر ، وسمعت هذليا يدعو على سارق : اللهم انصرهم منه أي اجعلهم منتصرين منه .
والكرب الطوفان وما كان فيه من تكذيب قومه : أي واذكرهما وإذ بدل منهما . والنفش : الانتشار بالليل .
وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما . وقرئ لحكمهما . والضمير في ( ففهمناها ) للحكومة أو الفتوى .
وقرئ فأفهمناها . حكم داود بالغنم لصاحب الحرث ، فقال سليمان عليه السلام وهو ابن إحدى عشرة سنة : غير
هذا أرفق بالفريقين ، فعزم عليه ليحكمن فقال : أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها
وأصوافها ، والحرث إلى أرباب الشاء يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسد ثم يتراد ان ، فقال : القضاء
ما قضيت وأمضى الحكم بذلك . فإن قلت : أحكما بوحي أم باجتهاد ؟ قلت : حكما جميعا بالوحي ، إلا أن حكومة
داود نسخت بحكومة سليمان عليهما السلام وقيل اجتهدا جميعا فجاء اجتهاد سليمان عليه السلام أشبه بالصواب .
فإن قلت : ما وجه كل واحدة من الحكومتين ؟ قلت : أما وجه حكومة داود عليه السلام فلأن الضرر لما
وقع بالغنم سلمت بجنايتها إلى المجنى عليه كما قال أبو حنيفة رضي الله عنه في العبد إذا جنى على النفس : يدفعه
المولى بذلك أو يفديه ، وعند الشافعي رضي الله عنه : يبيعه في ذلك أو يفديه ، ولعل قيمة الغنم كانت على قدر
النقصان في الحرث ، ووجه حكومة سليمان عليه السلام أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزار ما فات من الانتفاع بالحرث
من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم ، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر
والنقصان . مثاله ما قال أصحاب الشافعي فيمن غصب عبدا فأبق من يده أنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب
منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد فإذا ظهر ترادا . فإن قلت : فلو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا
ما حكمها ؟ قلت : أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم لا يرون فيه ضمانا بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة
سائق أو قائد . والشافعي رضي الله عنه يوجب الضمان بالليل . وفى قوله - ففهمناها سليمان - دليل على أن الأصوب