فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا . وهزي إليك بجذع النخلة
تساقط عليك رطبا جنيا . فكلى واشربي وقرى عينا فإما ترين من البشر أحدا
فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا . فأتت به قومها تحمله
قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا
شرح
لقلته ونزارته ، وقرأ الأعمش منسيا بالكسر على الاتباع كالمغيرة والمنخر ( من تحتها ) هو جبريل عليه السلام ، قيل
كان يقبل كالقابلة ، وقيل هو عيسى وهى قراءة عاصم وأبى عمرو ، وقيل تحتها أسفل من مكانها كقوله - تجرى
من تحتها الأنهار - وقيل كان أسفل منها تحت الأكمة فصاح بها لا تحزني . وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص من
تحتها ، وفى ناداها ضمير الملك أو عيسى . وعن قتادة الضمير في تحتها للنخلة . وقرأ زر وعلقمة فخاطبها من تحتها
" سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السرى فقال : هو الجدول " قال لبيد :
فتوسطا عرض السرى فصدعا * مسجورة متجاور أقلامها
وقيل هو من السرو والمراد عيسى . وعن الحسن : كان والله عبدا سريا . فإن قلت : ما كان حزنها لفقد
الطعام والشراب حتى تسلى بالسرى والرطب . قلت : لم تقع التسلية بهما من حيث إنهما طعام وشراب ، ولكن من
حيث إنهما معجزتان تريان الناس أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة وأن مثلها مما قرفوها به بمعزل ، وأن لها
أمورا إلهية خارجة عن العادات خارقة لما ألفوا واعتادوا ، حتى يتبين لهم أن ولادها من غير فحل ليس ببدع من
شأنها ( تساقط ) فيه تسع قراءات بإدغام التاء ، وتتساقط بإظهار التائين ، وتساقط بطرح الثانية ، ويساقط بالياء
وإدغام التاء ، وتساقط وتسقط ويسقط وتسقط ويسقط التاء للنخلة والياء للجذع ، و ( رطبا ) تمييز أو مفعول
على حسب القراءة . وعن المبرد جواز انتصابه بهزي وليس بذاك والباء في بجذع النخلة صلة للتأكيد كقوله تعالى
- ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة - أو على معنى افعلي الهز به كقوله : بجرح في عراقيبها نصلى . قالوا : التمر للنفساء
عادة من ذلك الوقت وكذلك التحنيك ، وقالوا : كان من العجوة . وقيل ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض
خير من العسل . وقيل إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب . عن طلحة بن سليمان ( جنيا ) بكسر الجيم
للاتباع : أي جمعنا لك في السرى والرطب فائدتين إحداهما الأكل والشرب ، والثانية سلوة الصدر لكونهما
معجزتين ، وهو في معنى قوله - فكلى واشربي وقرى عينا - أي وطيبي نفسا ولا تغتمي وارفضي عنك ما أحزنك
وأهمك . وقرئ وقرى بالكسر لغة نجد ( فلما ترئن ) بالهمز ابن الرومي عن أبي عمرو ، وهذا من لغة من يقول :
لبأت بالحج وحلأت السويق ، وذلك لتآخ بين الهمز وحرف اللين في الإبدال ( صوما ) صمتا . وفى مصحف
عبد الله صمتا . وعن أنس بن مالك مثله ، وقيل صياما إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم ، وقد نهى رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن صوم الصمت لأنه نسخ في أمته . أمرها الله بأن تنذر الصوم لئلا تشرع مع البشر المتهمين
لها في الكلام لمعنيين : أحدهما أن عيسى صلوات الله عليه يكفيها الكلام بما يبرئ به ساحتها ، والثاني كراهة مجادلة
السفهاء ومناقلتهم . وفيه أن السكوت عن السفيه واجب ، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها . قيل أخبرتهم بأنها
نذرت الصوم بالإشارة وقيل سوغ لها ذلك بالنطق ( إنسيا ) أي أكلم الملائكة دون الإنس . الفرى البديع وهو من