تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا . فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا . قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا . وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا . والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ذلك عيسى ابن مريم
شرح
فرى الجلد ( يا أخت هارون ) كان أخاها من أبيها من أمثل بني إسرائيل . وقيل هو أخو موسى صلوات الله عليهما . وعن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنوا هارون النبي وكانت من أعقابه في طبقة الأخوة وبينها وبينه ألف سنة وأكثر : وعن السدى : كانت من أولاده ، وإنما قيل يا أخت هارون كما يقال يا أخا همدان : أي يا أحدا منهم . وقيل رجل صالح أو طالح في زمانها شبهوها به : أي كنت عندنا مثله في الصلاح ، أو شتموها به ولم ترد أخوة النسب . وذكر أن هارون الصالح تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون تبركا به وباسمه ، فقالوا : كنا نشبهك بهارون هذا . وقرأ عمر بن لجأ التيمي : ما كان أباك امرؤ سوء . وقيل احتمل يوسف النجار مريم وابنها إلى غار فلبثوا فيه أربعين يوما حتى تعلت من نفاسها ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال : يا أماه أبشرى فإني عبد الله ومسيحه ، فلما دخلت به على قومها وهم أهل بيت صالحون تباكوا وقالوا ذلك . وقيل هموا برجمها حتى تكلم عيسى عليه السلام فتركوها ( فأشارت إليه ) أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه ، وقيل كان المستنطق لعيسى زكريا عليه السلام : وعن السدى : لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناها . وروى أنه كان يرضع ، فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته . وقيل كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان ( كان ) لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده وهو ههنا لقريبه خاصة والدال عليه مبنى الكلام وأنه مسوق للتعجب ، ووجه آخر أن يكون نكلم حكاية حال ماضية : أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس صبيا في المهد فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا . أنطقه الله أولا بأنه عبد الله رد القول النصارى ، و ( الكتاب ) هو الإنجيل . واختلفوا في نبوته فقيل أعطيها في طفوليته أكمل الله عقله واستنبأه طفلا نظرا في ظاهر الآية . وقيل معناه : أن ذلك سبق في قضائه أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد ( مباركا أينما كنت ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاعا حيث كنت وقيل معلما للخير . قرئ ( وبرا ) عن أبي نهيك جعل ذاته برا لفرط بره أو نصبه بفعل في معنى أوصاني وهو كلفني لأن أوصاني بالصلاة وكلفنيها واحد ( والسلام على ) قيل أدخل لام التعريف لتعرفه بالذكر قبله كقولك جاءنا رجل ، فكان من فعل الرجل كذا ، والمعنى : ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلى . والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضا باللعنة على متهمي مريم عليها السلام وأعدائها من اليهود ، وتحقيقه أن اللام للجنس : فإذا قال : وجنس السلام على خاصة ، فقد عرض بأن ضده عليكم ، ونظيره قوله تعالى - والسلام على من اتبع الهدى - يعنى أن العذاب على من كذب وتولى وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنة لنحو هذا من التعريض .
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 508 | الزمخشري