ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات
والأرض أبصر به وأسمع مالهم من دونه من ولى ولا يشرك في حكمه أحدا . واتل
ما أوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا . واصبر
نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم
شرح
النسيان كان خيرة كقوله - أو ننسها نأت بخير منها - ( ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين ) يريد لبثهم فيه أحياء مضروبا
على آذانهم هذه المدة ، وهو بيان لما أجمل في قوله - فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا - ومعنى قوله ( قل
الله أعلم بما لبثوا ) أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدة لبثهم والحق ما أخبرك الله به . وعن قتادة : أنه حكاية
لكلام أهل الكتاب وقل الله أعلم رد عليهم . وقال في حرف عبد الله : وقالوا لبثوا ، وسنين عطف بيان لثلثمائة ،
وقرئ ثلاثمائة سنين بالإضافة على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقوله - بالأخسرين أعمالا - وفى قراءة
أبى ثلاثمائة سنة . تسعا تسع سنين لأن ما قبله يدل عليه ، وقرأ الحسن تسعا بالفتح . ثم ذكر اختصاصه بما غاب في
السماوات والأرض وخفى فيها من أحوال أهلها ومن غيرها وأنه هو وحده العالم به . وجاء بما دل على التعجب من
إدراكه المسموعات والمبصرات للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حد ما عليه إدراك السامعين والمبصرين ،
لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها كما يدرك أكبرها حجما وأكثفها جرما ، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر
( مالهم ) الضمير لأهل السماوات والأرض ( من ولى ) من متول لأمورهم ( ولا يشرك في حكمه ) في قضائه ( أحدا )
منهم . وقرأ الحسن ولا تشرك بالتاء والجزم على النهى . كانوا يقولون له - ائت بقرآن غير هذا أو بدله - فقيل له
( واتل ما أوحى إليك ) من القرآن ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل فلا مبدل لكلمات ربك : أي لا يقدر
أحد على تبديلها وتغييرها ، إنما يقدر على ذلك هو وحده - وإذا بدلنا آية مكان آية - ( ولن تجد من دونه ملتحدا )
ملتجأ تعدل إليه إذن هممت بذلك . قال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : نح هؤلاء الموالى
الذين كأن ريحهم ريح الضأن وهم صهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء المسلمين حتى نجالسك ، كما قال قوم
نوح - أنؤمن لك واتبعك الأرذلون - فنزلت ( واصبر نفسك ) واحبسها معهم وثبتها ، قال أبو ذؤيب :
فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع
( بالغداة والعشى ) دائبين على الدعاء في كل وقت ، وقيل المراد صلاة الفجر والعصر . وقرئ بالغدوة ،
وبالغداة أجود لأن غدوة علم في أكثر الاستعمال وإدخال اللام على تأويل التنكير كما قال : والزيد زيد المعارك ،
ونحوه قليل في كلامهم . يقال عداه إذا جاوزه ، ومنه قولهم عدا طوره وجاءني القوم عدا زيدا ، وإنما عدى بعن
لتضمين عدا معنى نبا ، وعلا في قولك نبت عنه عينه ، وعلت عنه عينه إذا اقتحمته ولم تعلق به . فإن قلت : أي
غرض في هذا التضمين ، وهلا قيل ولا تعدهم عيناك أو لا تعل عيناك عنهم ؟ قلت : الغرض فيه إعطاء مجموع
معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ ، ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك : ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين
إلى غيرهم ، ونحوه قوله تعالى - ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم - أي ولا تضموها إليها آكلين لها . وقرئ ولا تعد