فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا . ولا تقولن لشئ إني
فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله
شرح
الأولين ؟ قلت : هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو
قولك جاءني رجل ومعه آخر ومررت بزيد وفى يده سيف . ومنه قوله تعالى - وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب
معلوم - وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر . وهذه الواو هي
التي آذنت بأن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم ،
والدليل عليه أن الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله رجما بالغيب ، وأتبع الثالث قوله وما يعلمهم إلا قليل ، وقال
ابن عباس رضي الله عنه : حين وقعت الواو انقطعت العدة : أي لم يبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها ، وثبت أنهم
سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والبنات . وقيل إلا قليل من أهل الكتاب : والضمير في سيقولون على هذا لأهل
الكتاب خاصة : أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وأكثرهم على ظن وتخمين
( فلا تمار فيهم ) فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه ، وهو أن تقص
عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ، ولا تزيد من غير تجهيل لهم ولا تعنيف بهم في الرد عليهم كما قال - وجادلهم
بالتي هي أحسن - ( ولا تستفت ) ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال متعنت له حتى يقول شيئا فترده عليه
وتزيف ما عنده ، لأن ذلك خلاف ما وصيت به من المداراة والمجاملة ، ولا سؤال مسترشد لأن الله قد أرشدك بأن
أوحى إليك قصتهم ( ولا تقولن لشئ ) ولا تقولن لأجل شئ تعزم عليه ( إني فاعل ذلك ) الشئ ( غدا ) أي
فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة ( إلا أن يشاء الله ) متعلق بالنهى لا بقوله إني فاعل ، لأنه لو قال إني فاعل
كذا إلا أن يشاء الله كان معناه : لا أن تعترض مشيئة الله دون فعله ، وذلك مما لا مدخل فيه للنهي . وتعلقه بالنهى على
وجهين : أحدهما ولا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله بأن يأذن لك فيه . والثاني ولا تقولنه إلا بأن يشاء
الله : أي إلا بمشيئة الله وهو في موضع الحال : يعنى إلا ملتبسا بمشيئة الله قائلا إن شاء الله . وفيه وجه ثالث وهو