بئس الشراب وساءت مرتفقا . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر
من أحسن عملا . أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار يحلون فيها
من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على
الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا * وأضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما
جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا . كلتا الجنتين آتت
شرح
سقطت فروة وجهه " ( بئس الشراب ) ذلك ( وساءت ) النار ( مرتفقا ) متكأ من المرفق وهذا لمشاكلة قوله
- وحسنت مرتفقا - وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء إلا أن يكون من قوله :
إني أرقت فبت الليل مرتفقا * كأن عيني فيها الصاب مذبوح
( أولئك ) خبر إن ، وإنا لا نضيع اعتراض ، ولك أن تجعل إنا لا نضيع وأولئك خبرين معا أو تجعل أولئك
كلاما مستأنفا بيانا للأجر المبهم . فإن قلت : إذا جعلت إنا لا نضيع خبرا فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ ؟
قلت : من أحسن عملا : والذين آمنوا وعملوا الصالحات ينتظمهما معنى واحد ، فقام من أحسن مقام الضمير ،
أو أردت من أحسن عملا منهم فكان كقولك : السمن منوا ان بدرهم . من الأولى للابتداء والثانية للتبيين . وتنكير
أساور لإبهام أمرها في الحسن : وجمع بين السندس وهو مارق من الديباج وبين الإستبرق وهو الغليظ منه جمعا
بين النوعين . وخص الاتكاء لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم ( واضرب لهم مثلا رجلين ) أي ومثل حال
الكافرين والمؤمنين بحال رجلين ، وكانا أخوين في بني إسرائيل أحدهما كان اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه
يهوذا . وقيل هما المذكوران في سورة والصافات في قوله - قال قائل منهم إني كان لي قرين - ورثا من أبيهما ثمانية
آلاف دينار فتشاطراها ، فاشترى الكافر أرضا بألف ، فقال المؤمن : اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار
وأنا أشترى منك أرضا في الجنة بألف فتصدق به ، ثم بنى أخوه دارا بألف ، فقال : اللهم إني أشترى منك دارا
في الجنة بألف فتصدق به ، ثم تزوج أخوه امرأة بألف ، فقال : اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور ، ثم اشترى
أخوه خدما ومتاعا بألف ، فقال : اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به ، ثم أصابته حاجة
فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه ، فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله . وقيل هما مثل لأخوين من
بنى مخزوم : مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأشد وكان زوج أم سلمة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد ( جنتين من أعناب ) بساتين من كرم ( وحففناهما بنخل ) وجعلنا النخل محيطا
بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة ، يقال حفوه : إذا أطافوا به
وحففته بهم : أي جعلتهم حافين حوله ، وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولا ثانيا كقولك غشيه
وغشيته به ( وجعلنا بينهما زرعا ) جعلناها أرضا جامعة للأقوات والفواكه ، ووصف العمارة بأنها متواصلة
متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق . ونعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل
من غير نقص ، ثم بما هو أصل الخير ومادته من أمر الشرب فجعله أفضل ما يسقى به وهو السيح بالنهر الجاري